أرادوا أن يقولوا للناس إن الشعب اليمني شعب واحد، وإن الأخلاق الشمالية في التعامل مع الجنوبيين أخلاق راقية وفيها من التآخي والمحبة الكثير مما يؤكد أن اليمن واحد، لكنهم كشفوا دون أن يعلموا عما في نفوسهم من نظرة احتقار ودونية تجاه الجنوبي، بتكرار تلك المفردة المقززة التي عانى منها الجنوبيون، ومن تداعيات الإيمان بها كثيراً وهي «جنوبي عزكم الله»، وكأن الجنوبي في نظر هؤلاء مرادف للحذاء، أعزكم الله.

 

في فيلم قصير، حمل عنوان «الصدمة اليمنية»، حاول شبان شماليون أن يسهموا في إصلاح ما أفسده السياسيون، لكن وقعتهم كانت كبيرة، وهم يتحدثون بلغة لم يجرؤ غيرهم على قولها رغم إيمانه واقتناعه بها، وهي أن الجنوبي مخلوق نكرة غير جدير حتى بنطق اسمه مجرداً، بل على ناطقها أن يعتذر لسامعها وأن يدعو الله بأن يرفع من شأنه ويعزه.

 

ليس من حق هؤلاء الممثلين، أعزكم الله، استخدام هذه اللفظة بحق شعب عظيم، ولا يقبل منهم تبرير جواز استخدام هذه اللفظة السوقية، ولو تمثيلاً، ناهيك عن إصرارهم على إقناعنا بأن اليمن واحد من خلال مقطع تمثيلي يقوم على عبارة هذا «جنوبي عزكم الله».

 

لا أظن أن هناك مكنون غضب يفوق غضب الجنوبيين تجاه الوحدة وساسة الوحدة، وأحياناً حتى تجاه المثقفين والفئات الصامتة في الشمال، والذين استخدمهم صالح ونظامه ومن هم خلفه كجيوش جرارة اجتاحت الجنوب وحللت دماء أبناءه، وسكتت عن الظلم الواقع ضده، ورغم كل ذلك لم تبلغ البشاعة بجنوبي ولو حتى تمثيلاً أن يقول هذا «شمالي عزكم الله».

 

حاول أصحاب الفيلم أن يقنعوا المتابعين بأن غضب رواد المطعم، وأغلبهم ممثلون، كان بسبب كلمة «جنوبي عزكم الله»، وهذا شيء غير صحيح، فما استفزهم هو طرد شاب من مطعم ومنعه من الأكل، وكانوا سيغضبون حتى وإن كان هذا الشباب من منظمة «بوكو حرام»، ما يعني أن مثل هذا العمل لا يدعم فكرة تنقية القلوب، وتأكيد واحدية اليمن، بل يوصل فكرة مغايرة، وهي أن من أسباب نفور الجنوبيين من الوحدة، إضافة إلى القتل والسلب والنهب، نظرة الإحتقار والدونية والنظر إلى الجنوبي، وإن كان في منصب رئيس توافقي، بأنه ناقص.

 

ينظر كثير من الشماليين - حتى البسطاء منهم - للجنوب على أنه أرض بور، وثروة سائبة، وأن من على أرض الجنوب هم من الفئات المهمشة والناقصة القادمة من الهند والصومال وشرق آسيا. وعلى هذا الأساس، تكونت لديهم فكرة ومصطلح «جنوبي عزكم الله»، التي إن لم يقلها السياسيون والنخب صراحة كما قالها أصحاب الصدمة، إلا أنهم مارسوها وطبقوها بعناية وحرص وتشدد. وعلى أساس ذلك، كتب الصحافي الإخواني، عادل الأحمدي، في تقرير له حمل عنوان «الغبار الأسود» ونشره في منتصف عام 2009م، قائلاً: «لا مانع من أن نضحي بثلاثمائة ألف جنوبي في سبيل الوحدة ليحيا 27 مليون يمني»، ومثله كتب أحد أقربائه مخاطباً رب العالمين بالقول: «ربي إن أدخلت شهداء الحراك الجنة فأدخلني النار فهي أشرف».

 

يقال إن ما تخفيه النساء تظهره البهائم لسذاجتها، وكذلك حال الشمال، فما كان السياسيون يخفونه في لغتهم التي يتحدثون بها عن الجنوب أظهرته سذاجة ونزق مثقفيهم وممثليهم.