منذ يوليو 94م، لم يفارق الحنين إلى دولة مستقلة خيال القطاع الأوسع من الجنوبيين الذين ما انفكوا يعبرون عن ذلك بصور مختلفة، كان أقلها التعبير السلمي، وأوضحها وأكثرها عنفاً المواجهة العسكرية الشرسة التي عبّر الجنوبيون من خلالها عن رغبتهم في تحرير بلادهم واستعادة أرضهم. 

وعلى الرغم من أن الجنوبيين لم ينسوا قضيتهم قط، إلا أنهم في اليومين الماضيين كانوا أشد حماساً للتعبير عن مشاعرهم نحو وطنهم وتوقهم للوصول إلى ما يحلمون به.

بصورة واضحة، ظهر الجنوبيون مأسورين ومشدوهين بمظاهر الإحتفاء التي شهدها إقليم كردستان العراق بمناسبة إجراء الإستفتاء على استقلال إقليم الأكراد، والذي جرى في 25 سبتمبر 2017م، بل إن تعاطف كثير من الجنوبيين مع الأكراد بدا جلياً، وبصورة تجاوزت ربما تعاطف بني جلدتهم.

ويبرر الكثير من الجنوبيين تعاطفهم وحماسهم لما يجري من حراك سياسي في أربيل بأنهم يرون تشابهاً كبيراً للأوضاع بين بلادهم وكردستان العراق. ولذلك، فهم يعتقدون أن الحل لقضيتهم يجب أن يبدأ بتطبيق ما جرى هناك، أي بتطبيق تجربة استفتاء كردستان على الجنوب.

ومهما غابت عن الأذهان مظاهر الإختلاف لدى المتحمسين، فإنه في واقع الأمر توجد نقاط اختلاف كثيرة بين القضيتين موضوع النقاش. بعض هذه النقاط ترجح كفة الأكراد والأخرى تميل لصالح الجنوب.

فقانونياً، يبدو الجنوب أفضل حالاً واستحقاقاً لاستعادة دولته باعتباره كان دولة كبيرة المساحة وذات سيادة ومعترفاً بها في المحافل الدولية الكبرى، على عكس إقليم كردستان الذي لا تزيد مساحته عن 40 ألف كم، والخاضع تاريخياً للسيادة العراقية، ولم يكن ولن يسمح الجيران له بأن يقيم كيانه المستقل الذي ستكون له تأثيراته بالنسبة لوضع الأقليات الكردية في دول الجوار.

أما جغرافياً، فإنه وحين يتمتع الجنوب بموانئ بحرية وجوية ومنافذ برية متعددة، فإن إقليم كردستان واقع بين كماشة، ومحاصر من خصومه التقليديين: العراق وتركيا وإيران، الذين هددوه، وبمقدورهم فعل ذلك إن أرادوا، بأن يعزلوه عن العالم حتى يرضخ لما يريدون.

أما النقاط المحسوبة لصالح كردستان فهي نجاح هذا الإقليم في التأسيس لمقومات دولة تستحق أن يلتفت إليها العالم، ويدعمها باعتبارها نموذجاً للدولة المدنية الحديثة التي يمكنها أن تمثل تجربة مميزة بين دول الجوار بل والشرق الأوسط لاسيما في مجال دعم المرأة، ناهيك عما أبداه الأكراد من التفاف حول زعيمهم، وتمسك بقضيتهم، وهي صفات تعزز من قوة الإقليم وموقفه في مواجهة خصومه. 

ومما يجب الإعتراف به دون خجل أن المزايا العديدة التي أظهرها الأكراد في مجالات شتى قد كشفت عجزاً واضحاً لدى الجنوبيين عن إمكانية تقليدهم أو مجاراتهم، لاسيما امتلاك ميزة الظهور كشعب راق وحضاري ومتماسك. لقد أضاع الجنوبيون للأسف كل ما كان يميزهم سابقاً كرجال دولة ونظام وقانون وحقوق مدنية، خاصة فيما يتعلق بقضايا المرأة وحقوقها، والتي شهدت تراجعاً مخيفاً لصالح الثقافة الرجعية، وبصورة هي الأسوأ إذا ما قورنت بدول الجوار.

صحيح أن الأكراد لم يكونوا في الأصل دولة رغم كونهم يتمتعون بحكم ذاتي شبه كامل منذ عام 2003م، لكنهم نجحوا في تقديم أنفسهم للعالم كنموذج لدولة تستحق البقاء، خاصة فيما يتعلق بسلوك القيادات السياسية المنتمية للإقليم، بما فيها تلك المحسوبة على الدولة المركزية والموجودة في بغداد، والتي أثبتت ولاءها لأرضها أولاً وأخيراً، ولم تتهم شعبها بالعمالة أو الإرتزاق أو بأنهم شرذمة لا يمثلون إلا أنفسهم.

أما الجنوبيون، الذين كانوا إلى وقت قريب دولة، فلم يتمكنوا رغم تعالي أصواتهم وتضحيات شعبهم من تقديم نموذج مشرف للدولة الجنوبية المنشودة، بل قدم كثير من رموز الثورة الجنوبية مع المسؤولين الجنوبيين في سلطة «الشرعية» نماذج سيئة جداً لرجل السياسة الجنوبي في الفساد والأنانية ونزعة التآمر على الآخر، وهو ما بات يدفع كثيرين للتوجس من مستقبل دولة الجنوب إذا ما عادت في ظل وجود هذه القيادات، التي يفضل بعضها أن يمد يده للخصم ولـ«القاعدة» و«داعش» على أن يمدها لشقيقه.

لا شك في أن الأكراد، وخلال 15 عاماً، مروا بكل المظاهر السيئة التي يمر بها الجنوب اليوم، لكنهم بصبرهم وحكمتهم وحسن إداراتهم لإقليمهم والتفافهم حول زعيمهم مسعود برزاني، تجاوزوا كل ما واجههم من مشكلات حتى أكملوا رسم تلك اللوحة التي أبهرت العالم في اليومين الماضيين.
ويستطيع الجنوبيون، إن هم وعوا الدرس الكردي جيداً، أن يتجاوزوا واقعهم المعقد، الذي يمثل أحد أبرز عوامل تأخر وصولهم إلى هدفهم في استعادة دولتهم.