ونأتي في حلقتنا الخامسة إلى تساؤل محوري يتعرض له كل مغترب هاجر من وطنه إلى مواطن أخرى كي يلتقط فيها رزقه فيبتعد عن الأهل والأصحاب والخلان الذين تقاسم معهم ذكرياته الجميلة ، فيشده الحنين إلى وطن يشعر فيه بمشاعر مختلفة عن وطن الغربة ، ليس لأن وطنه كفل له العيش بين كنفه ، ولكن لأن للوطن حنين خاص .. فما بالكم  عندما يكون هذا المهاجر شاعر مرهف الحس ، كيف سيكون حاله ؟

 

لنسأل الشاعر .. وما جوابه  ؟

 

الشاعر أبن سلمان تذوق الغربة ومرارتها كيف قاده التفكير للسفر في بداية حياته وهل عرف محتملات الحياة وتقلبات أحوالها هناك بعد السفر ؟ وهل استفاد من أسفاره تلك أو أنه اصطلى بالنار التي أكتوى منها أغلب المغتربين فقرر العودة للوطن  ؟

 

الغربة لم يكن لي خياراً فيها بل سقتُ إليها سوقاً وذلك بعد أن أكملت دراسة المرحلة الابتدائية 1958م  ولكنني واجهتها وحين دخلت غمارها تعلمتُ من مكابداتها الشيء الكثير الاعتماد على النفس ومنتهى الصبر .

 

كانت الغربة الأولى إلى مدينة عدن 1961م ولمدة عام كامل ثم عدت إلى مسقط راسي دوعن رباط باعشن ومكثتُ بها ستة أشهرُ ثم وجدتُ نفسي على أعتاب رحلة غربةً أكبر من سابقتها حيثُ خضت عند رحلة السفر رمال صحراء الربع الخالي  لمدة شهر كامل وأنا أجتاز كثبان الرمال الصفراء شاسعة الامتداد ومبهرة التنوع الجغرافي في طريق العبور ثم في انتظار السماح رسمياً بالدخول إلى مدينة الرياض أياماً بمنطقة مدينة نجران السعودية لكنها حقيقة كانت غربة مليئة بالتنوع في مجالات الحياة ولكن الأهم من ذلك كلهُ التكوين الثقافي عامةً والشعر خاصة .

 

لقد أتيح لهذا المغترب إلى جانب المهنة التي يكتسب منها لقمة العيش مواصلة الدراسة ليلاً حتى أكمل المرحلة  الثانوية كان للدراسة ليلاً ولعمله  بمطبعة نجد التجارية بشارع الريل التي كانت تطبع الكتاب والمجلة والصحيفة دوراً هاماً في تكوين تلك الفترة ثقافيا غمر وقتهُ الآخر بالقراءة وتطوير ثقافته إلى أقصى ما يتمناه محبٌ وعاشقٌ للكلمة والإبداع والكتابة ــ وحين عاد إلى الوطن كان محملاً بهم كتابة الشعر الذي أخذا يرتقي بهِ نحو خصوصية تخرجه من نمط الإتباع  إلى تمثل حالة تليق بهِ وبشعرهِ في استقلالية خاصة .

  لقاؤنا يتجدد في الحلقة السادسة القادمة .. لنرى ما جديدنا فيها وما قول الشاعر في جوابه لأسئلتنا .