لم تخفِ التراتبية نفسها في رواية "من قتل بالومينو موليرو؟" للمؤلف ماريو بارغاس يوسا, ترجمة: صالح علماني, إذ تجلّت هذه التراتبية على مستوى المكان الذي انشطر على نفسه إلى قسمين أعلى وأدنى, ومارس الأعلى هيمنة على الأدنى. فالمكان الأعلى تُنسب إليه القاعدة الجوية, وشركة البترول الأمريكية الخاطفة لقرية "تالارا" وهي قرية موجودة في دولة البيرو , بأمريكا اللاتينية. إذ اهملت هذه القرية على الرغم من ثرواتها الهائلة.
إن المكان الأعلى محمي وممنوع الدخول فيه, وسكانه مرفّهين, منعّمين, ويحق لهم أن ينتهكوا المكان الأدنى. فالملازم الصغير (دوفو) الذي يأتي إلى المكان الأعلى يدخل إلى الحانة المحسوبة على المكان الأدنى, ويفعل فيها ما يشاء ومتى شاء, ووصلت به القذارة إلى أن يتبول ويتغوّط على من هم في الحانة ولا يتجرأ أحد أن يقول له كلمة واحدة. وهذه دلالة على عفانة المجتمع الذي وصل إلى درجة عالية من الخسة, وغابت عنه الإرادة. ومن الطبيعي في هذا المجتمع أن يُقتل البريء بدم بارد ويتحول إلى ضحية بالطريقة نفسها التي قتل بها (موليرو), بطريقة بشعة. إذ تم الاعتداء على جسده عضواً عضواً, وجرّد من لحمه, والجميع يعرف أن مرتكبي الجريمة قد أتوا من المكان الأعلى, ووصف هؤلاء في الرواية بأنهم أشباح وليسوا بشراً من لحم ودم. إن المكان الأعلى بنفوذه يخلق أوهامه وأساطيره وأكاذيبه إلى درجة أن ذكر اسم المكان وسكّانه يثير الخوف في قلوب سكان المكان الأدنى. ويمثّل صاحب الحانة "الصيني لياو" نموذجاً لهذا الخوف, رغم تحطّم حانته من قبل الملازم الصغير (دوفو).
بالمقابل نجد المكان الأدنى بائساً ومعدماً وغير محمي, وتنال منه الهوام, وعلى الرغم من كونه مغلقاً إلا أنه سهل الاختراق, فالبيوت الموجودة فيه تدّل على ذلك, وهي مصنوعة من القصب وكراسيها مصنوعة من القش, وطاولاتها ملتوية, وغرف النوم لا تخلو جدرانها من الشقوق التي تسمح بالتلصص عليها, إنها منتهكة حتى في هذه الخصوصية, وهي بيوت لا تعرف الكهرباء, بل تعتمد على قناديل الكيروسين المضرّة بالتنفّس. إن المكان الأعلى له النظافة والنظام والإنارة العصرية والصحة, والقرية لها الفوضى والظلام والتلوث البيئي والمرض الذي أصيب به (ماتياس) - زوج (دونيا أدريانا).
وتجلّت التراتبية على مستوى الألقاب, ليس العسكرية حسب, بل والاجتماعية. فهناك الضباط الكبار وهناك الملازمين الصغار, وفوق الكولونيلات (الأسماك الكبيرة) القادرة على ابتلاع الجميع, ليس هذا حسب, بل تجلّت التراتبية في بعدها الاجتماعي من خلال النظرة الدونية للفئات المنسوبة للتشوليين – جمع تشولو – الذين تُنتسب أمهاتهم إلى الهنود, فهم لا يستحقون الامتيازات نفسها التي يتمتع بهم البيض بوصفهم الجنس الأرقى "الحاملين للدم الأزرق", إنهم أغبياء وقصّر والضحية (بالومينو موليرو) كان محسوباً على هؤلاء.
والتراتبية نفسها نجدها بين الحرس الأهلي والطيّارين المحسوبين على القاعدة الجوية, فالحرس الأهلي لم تشفع له وطنيته, فهو بائس ولا يُحترم, ويسخر منه الناس, بل ويُنتهك من قبل الطيّارين, فهذا هو الملازم الصغير (دوفو) يهدد الملازم (سيلفا) بالاعتداء عليه جنسياً, بينما (سيلفا) يتوسل إليه حتى يتمكن من استخراج معلومات عن قتل (بالومينو موليرو).
وبعد فإن هذه التراتبية يمكن أن نراها في لغة التعامل مع بعض الشخصيات, فحين عزم (سيلفا) على مقابلة الكولونيل (ميندرياو) الذي "ظن نفسه ملك روما" قابله ببرود, وبملامح جليدية ولم يبدي ترحيباً به, إذ قال له "ألم أتعاون في المرة الماضية, ألم تكونا في المكتب, هذا المكتب بالذات منذ ثلاثة أيام؟ إذا كنت قد أضعت المذكرة التي أعطيتك إياها فإني أحتفظ بصورة؟" ص40. وحتى (أليسيا) ابنة الكولونيل تفوّهت بالتراتبية عندما وصفت (موليرو) - على الرغم من تقديرها وحبها له - بأنه "لم يكن يبدو عليه تشلو, وكان شعره ناعماً, بل وأشقر إلى حد ما... ما كان أحد سيصدق بأنه تعلّم في مدرسة عامة, وأنه يقطن حي لاكاستيا. والشيء التشلو الوحيد هو اسمه هذا بالومينو وكنيته الثانية أسوأ "تيميستوكليس" ص122. ونرى دونيا (أدريانا) حينما وصفت كبرياء الكولونيل وابنته قالت الآتي: "الكولونيل يظن نفسه ملك روما, تكفي رؤيته حين يأتي إلى البلدة, وابنته ممسكة بذراعه, إنه لا يحيي ولاينظر إلى أحد. وهي أسوأ منه. ياللخسة" ص34.
هذا المقال مختزل قدر الإمكان, وأخذ من الشواهد معناها, وبإمكان القارئ أن يعود إلى النص لتأملها.