غار عليه الوجوم حتى أثقل مبسمه ، صنوف الهموم التي تصول و تجول حتى تستكين بعينيه فلا يبقى لبقية حواسه شغلٌ غير تحملها .. فؤاده مشغولٌ بها .. جوارحه منهكة من كثرة التنقل من عمل إلى عمل خلال اليوم الواحد ، سمْعه قد أرهقه كثرة سماع المتطلبات و حل مشاكل من يعيلهم .. الإنصات لتهديدات أصحاب البقالات لما عليه من ديونٍ لم يستطع تسديدها منذ فترة ..فاتورة الكهرباء و فاتورة الماء يجب تسدديهما قبل أن يتم قطع الخدمة مجددا ( خاطر آخر من خواطره المعتادة ) .. و أشياء أخرى بعثرتها الأيام على جادةِ طريقهِ الذي قدره الله له دون حولٍ منه و لا قوة .

     لم يعد يكف عن الحديث عن كرهه و ضجره من الحياة التي يعيشها و كمّ الحزن الذي يسابق الفرح كل مرة حينما يلوذ بأمل جديد .

        صورته المرحة التي التصقت بأذهان من يعرفه منذ طفولته ، لم يعد لها أثر منذ زمن طويل .. السعادة التي حملها ، الفضول وحب التعلم و مشاكساته التي طغت عليها الكياسة و الكثير من الفطنة .. كل هذا لم يتبق منه إلا ابتسامة فاترة يلقي بها في وجه من يلقى ليتجاوز يومه بهدوء .

     قليلاً ما كان ينطق كثيراً ما كان يفكر ؛ قد تغيرت الظروف كثيرا كما كانت ، و كل الأمور التي اعتاد أن يقتطع لها الكثير من اهتمامه بدت جامدة في عينيه غير المباليتين ، بدايةً من فراشه انتهاءً بالشارع الذي تتواجد به تلك المكتبة  .. حيث مجلات الصغار الملونة التي كانت تحمل بعضاً من ذكرياته الماضية ، إلى جانبها كتب الكبار التي كان يتطلع ألا تسد جوعه أو نهمه ذات يوم حينما يكبر ليرتاد الكلية التي يطمح بدخولها ، و ها هو ذا اليوم يختزل كل أمانيه في البدلة التي يرتديها  ، يمر على المكتبة حاملا سلاحه مرتدياً لزيه العسكري هذا دون أن يكترث لتلك الكتب أو لألوان المجلات التي بدا غريباً عنها غريبة عنه ، و كأنما لم يسبق أن كانت له صلة بها .. كأنه نسيَ قصة حب عاشها معها في المرحلة الابتدائية عندما كان الجميع بخير.

     لم تعد عيناه تتلهفان لما خلف جدران المكتبة الزجاجية تلك .. هذا الشاب الصغير لم يعد يعبأ بغير تلك اللقمة التي تكفي ليخفت صوت إخوته الصغار بداية كل يوم .. قبل النوم و منتصف النهار .

     ينهض مبكراً جداً ، تجرُهُ التزاماته من فراشه جراً ،  و بعد نهار مليءٍ بالمشقة يعود ليقتاد ككل مساءٍ إلى دوامةِ الأسئلة و متطلبات الحياة اللامتناهية وسط سخط إخوته هذا يريد و ذاك يريد و هو لا يريد إلا أن ينعم بنومٍ هادئ تستكين فيه جوارحه على نحو مغايرٍ لما شهدته طيلة يومه .. ترمم نفسها مما أصابها من خدوش الصباح و تستعد لتواصل الحياة مع الحزن الذي دفنه بداخله و الفقد الذي حواهُ في صدره منذ زمن ليس ببعيد .

" أنا لم أؤمن به يوما " كثيراً ما كان يكرر عليّ عباراته تلك عندما يضيق به الحال ذرعاً ..

" أنا لم أؤمن بالوطن الذي تتحدثون عنه .. و كيف لي أن أؤمن بما لا أرى و لا أجدُ دليلاً على وجوده .. لا بعرة ، و لا حتى أثراً لقدم !"

    يوماً ما منذ زمن انهدم على كاهله سورُ الأمان الذي أحاطه به والداه منذ ولادته ، رحل أعزاء قلبه واحداً تلو الآخر هكذا دون سابق إنذار لحق بوالديه أخوه الأكبر ، فتكت بهم حمى الضنك التي اجتاحت المدينة تلك الفترة ، تركوا له كل شيء برحيلهم إلا بعضاً من الحياة التي اعتاد عليها و أخرى تطلع إليها   .

    " من المذنب في كل هذا ، إنها مشيئة الله و قدره ..  أنا أؤمن به ، لكن أليس من حقي أن أضع كامل الذنب و جام غضبي على المتسبب به .. ؟"

و عندما أشاركه هذا الحوار : "من تقصد ؟"

 يشير بحماقة إليها .. "تلك البعوضة هي السبب الأول ، بل تلك المستنقعات التي تنتشر في أحياء المدينة .. يا لبرك الماء هذه !" .. ( يتبع عباراته بضحكة قصيرة تنقطع بتهكم دون أن يكملها ) .. "يا لِهذه البلد .. يا لِهذا الوطن !"

    و هو يسجل في الجيش دفاعاً عن الأرض التي ترعرع منذ صغره في جنباتها ، ليس لشيء إلا لذاك الأجر الذي يتقاضاه مقابل المهام التي يقوم بها حفاظاً على الوطن من المتطرفين الذين لم يتركوا مدينته تنعم بسلام منذ فترة .

    و مع ذلك لا زال يؤكد أنه في انتمائه و وطنيته منافق ، هذا جوابه في قرارته عندما يجتمع زملاؤه حينما يتغنون بوطنيتهم في فترات استراحتهم ، ليببدأ ذهنه الشارد ناحية واجباته القادمة للشهر القادم  ، و هكذا يواصل حديثه عن وطنيته مهزوزة الصورة ..مفرغة المعنى ، و التي يزعم أنها لا تتواجد غير لدى شبعى البطون و الجيوب ..الكثير من الحنق و الكثير من السخط يتلاطمه ،

" لولا الفاقة ما امتهنت هذه المهنة ، و لولا الحاجة ما رأيتني يا محمد أرتدي هذا الزي العسكري الذي ألبستني إياه ظروفي و أقداري " .

    أنا محمد ، صديقه الوحيد ربما ، أو ربما لست صديقاً بما فيه الكفاية .. لنقل مجرد جار يعيش وحيدا يرعى جدته في المنزل المقابل لمنزله . جارُه الذي كثيراً ما كان يراه محدقاً من شرفته ناحية ابن حارتنا الذي يرتاد كليته كل صباح مع شلة من زملائه .

    من كان يدري كيف كان يتصور المستقبل قبل أن تشكو أسرته هذا الضياع و هذه الفاقة ؟ قبل أن ينازع والده الموت ليتركهم بعدها ينازعون الحياة .

    اليوم الذي لم يرتقبه لحظةً في حياته .. الساعة التي كشفت كم هو كاذب .. لحظة الحقيقة .. يستعد الجميع لوضعية الفرار يتسابقون لتحذير من يسعهم تحذيره للفرار من حزام ناسف يلفه أحدهم حوله قبل أن يصبح وسط الجمع من المجندين ..

     بعد أن أدرك هؤلاء الجنود حديثي السن أن الموت يتجه نحوهم لا محالة .. ارتعدت فرائص الرجال ؛ فمن لهذا المجرم المقبل عليهم بإيقافه ؟ يولون الأدبار تاركين جل ما يملكون للنجاة بأرواحهم بعد أن تأكدوا أن لا مناص من تفجيره لنفسه لمجرد أن يصبح  وسط الحشد فيهم .

    و لأن المفخخ على عتبة البوابة و قد كُشف أمره لم يكن بيده إلا أن يركض نحوهم ركضا يبلغه غايته بقتل ما يستطيع منهم ، و لأن زملاءه أولئك حديثي عهد بمواقف كهذه لصغر سن معظمهم و مباغتته لهم في لحظة راحتهم .. لم يكن أمامهم إلا الفرار دون أن يجرؤوا على إطلاق النار عليه من تلك المقربة فيذهب الجميع في حتفهم .

    ووسط المشهد .. ذُعر كفاية ليكشف عن معدنه و أعماق روحه ، ربما همس الصوت بداخله كما يهمس بدواخل المؤمنين :

من لهذه الأرض ؟ .. من للأطفال و الشيوخ و النساء   ؟  من لهذا الوطن و الجمع يولّ الأدبار ؟

    اندفعت به قدماه في الاتجاه المعاكس .. نحو حتفه .. غارت عيناه فزعاً لأرضه .. يتصدى للمفخخ  حتى لا يتغلغل وسط إخوته .. حتى لا يقترب كفاية فيخسر الوطن ضحايا أكثرمن سابقاتها  من أبناء جلدته ..من أهله .. من أصدقائه الذين لم يقاسمهم الكثير من ابتسامته .

يلتحم به .. يقاومه .. ينازعه كي لا يخطو خطوة إضافية للأمام .

اشتباكٌ بالأيادي .. بضعُ لكماتٍ على عتباتِ بوابةِ المعسكر.. هي لحظات فقط .. دنا الأجل .. أغمض عينيه  .. ليتطاير بعدها شظايا و أشلاء !

......................................................................

كم كنت كاذباً يا صديقي  ! .. إلى أي مدىً كرهت الوطن ؟!