يبدو أن الحديث عن تُركيا يحمل في ثناياه الكثير من تلك الأبعاد الاستراتيجية الواسعة حول تُركيا ما قبل عام 2002م وما بعد ذلك العام الذي عُرف بوصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة فلقد وجدت قيادات الحزب ذو المرجعية الإسلامية أن محاولات الأتراك الدخول إلى الاتحاد الأوروبي باتت مستحيلة ولم يعد بوسع تُركيا الانتظار أكثر عندما كانت تراه استحقاقًا على مواقف تركيا من العلمانية التي وضع أسسها كمال أتاتورك.

نظر الأتراك الجُدد إلى ماضيهم حيث تكمن الإمبراطورية العُثمانية، وهنا بدأ التحول الحقيقي في السياسة التركية بمحاولتها فرض نفوذها السياسي على أجزاء من إرثها التاريخي، نجحت المنهجية التركية بشكل أو بآخر في صناعة خلطة دمجت بها العلمانية وأفكار الإخوان المسلمين، وعملت على استقطاب التيارات الإسلامية في كثير من البلدان العربية، فمن خلال افتتاح المراكز الثقافية في عدد من العواصم العربية عرف الأتراك التسلل إلى هذه المجتمعات وأخذت تُسخر وسائل الإعلام لإظهارهم كرمزيات تحررية والهدف من ذلك هو تمرير المشروع التوسعي التركي عبر القوة الناعمة.

طبيعة الحياة أنها متحركة فكيف بطبيعة الشرق الأوسط الأكثر نشاطاً في العالم من خلال حجم الصراعات والتنافس الدولي والإقليمي، راهن الأتراك على قدرتهم على السيطرة بما يمتلكون من أدوات على ما أطلق عليه (الربيع العربي) في 2011م، كان التحول حاداً جداً وفي عواصم عربية كبيرة كالقاهرة ودمشق، وكان من اللافت في تلك المرحلة صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في أكثر من بلد عربي، ففي اليمن كانوا قاب قوسين أو أدنى عندما حاولوا اغتيال الرئيس السابق صالح في جامع النهدين، بينما تمكنوا من الإمساك بالسلطة في مصر وتونس، كانت تُركيا أكثر من مجرد مراقب فلقد كانت أقرب إلى المشاركة فيما يحدث في العالم العربي.

الشرق الأوسط رمال أكثر تحركاً بفعل نشاط الرياح، هذه ليست تحليلاً للطقس بل جملة عميقة في قراءة الشرق الأوسط فلقد نجحت مصر في الثلاثين من يونيو 2013م من الخروج من جلباب دولة الإخوان المسلمين، كان الموقف العربي جامعاً بدعم السعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن والمغرب، فما يمثله نجاح الثورة المصرية له أبعاد في مساحة واسعة من الشرق الأوسط، وهذا ما حدث تماماً، فلقد وصل التهديد للأمن القومي العربي إلى أقصى ما يمكن، التدخل الإيراني في اليمن والبحرين وسوريا ولبنان لم يحدث بهذه القوة إلا بعد خلخلة تيارات الإسلام السياسي العالم العربي بضربات عنيفة جعلت من التدخل الإيراني ممكناً كما هي قدرة الأتراك من جهة أخرى على النفوذ والتغول في الدول العربي المستهدفة.

واحدة من التحولات الأساسية قيادة الرياض للتحالف العربي لإعادة الشرعية إلى اليمن، الأهداف الاستجابة لطلب الرئاسة اليمنية لإنقاذ اليمن وكذلك حماية الأمن العربي الذي بات مهدداً في باب المندب ومدينة عدن التي تمثل بوابة البحر الأحمر الجنوبية التي تطل عليه أكبر دولتين عربيتيين السعودية شرقاً ومصر غرباً، هنا تحديداً يتم الاستفهام حول ماهية الأمن المستهدف، أي الدول المستهدفة فتبدو تماماً المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية في دائرة تحاول من خلالها سواء كانت تركيا أو إيران السيطرة عليها.

بمجرد اتخاذ السعودية والإمارات والبحرين ومصر قرارها بقطع العلاقات مع قطر تم الإعلان عن إقامة قاعدة عسكرية تركية في قطر هي الأولى لتركيا في الخارج، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فلقد افتتحت تُركيا قاعدة ثانية لها في الصومال، وبات على المراقب أن يربط هذا التواجد العسكري في الخليج العربي وفي مدخل البحر الأحمر، لم تأت خطوة الأتراك بالتوجه نحو الصومال بدون قراءة واسعة جعلتهم يقررون مد جسورهم إلى الصومال البعيد عنهم، ففي حين تقرأ تُركيا أهمية ميناء عدن وحدة التنافس عليه نظراً لأنه يمثل مستقبل التجارة الدولية بعد أن طرحت الصين مشروع (طريق الحرير) مجدداً وهذا ما يفسر رغبة السيطرة على هذا الجزء من العالم، فالإيرانيون من خلال تدخلهم في اليمن عبر وكلائهم الحوثيين يريدون حصتهم في عدن وباب المندب كذلك، حتى الفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين المتواجدين من خلال القواعد العسكرية المنتشرة في جيبوتي وإثيوبيا يدركون الأهمية الإستراتيجية لخليج عدن وكانوا قد وجدوا في مكافحة القرصنة البحرية ذريعة لهذا التواجد.

تركيا التي تضع نفسها عسكرياً ضمن هذه التوازنات الدقيقة في هذا الجزء الحساس من العالم ترغب فيما هو أكثر من تأمين مصالحها غير المنظورة الآن في الخليج العربي والقرن الإفريقي فالمفترض أن تبدأ تركيا بنقل جزء من صناعاتها سواء العسكرية أو الصناعية الأخرى إلى قطر والصومال وتحاول زيادة نفوذها أكثر، وفي المقابل تبدو مصر والسعودية الأكثر احتفاظاً باستراتيجة التوازن فالسعوديون حققوا مع الإمارات تأمين ميناء عدن وباب المندب بل إن البُعد الأمني وصل إلى طول ساحل البحر العربي وإلى المّخا شمالاً مما يعزز أمن مدينة عدن وكامل محيط باب المندب.

ويبقى التساؤل مفتوحاً حول القواعد التركية في خارج جغرافيتها ولماذا لم تظهر في مناطق أخرى غير الإحاطة بشبه الجزيرة العربية؟ تساؤل يفتح كثيراً من الإجابات الصادمة حول الأهداف البعيدة المدى التي يخطط لها الأتراك، وفيما يلتزم العرب بسياسة المراقبة وضبط النفس حيال هذه الخطوات التي ينتظر أن يكون لها تفاعلات في الواقع الجيوسياسي مع التهاب ملفات الشرق الأوسط.