أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي الخطوة السياسية الثانية والتي حملت عنوان الجمعية الوطنية الجنوبية، وبكل الاعتبارات التي يعيش فيها اليمن من تخبطات علينا وعلى الجميع أن يتعاملوا مع هذا الإفراز السياسي الذي جاء كنتيجة طبيعية لإخفاقات صنعاء وسياساتها، فلم تنجح صنعاء وساساتها من استيعاب حقيقة أن السابع من يوليو 1994م كان انفصالاً كاملاً وأن ما بعد ذلك التاريخ لم يكن سوى أياماً من التراجيديا السوداء كان يُمثل فيها اللصوص دور الشرفاء ، فلم تتوقف صنعاء من ممارسة الخديعة باسم الوطن الواحد بل أنها استمرأت ذلك حتى والجنوبيين يذهبون أمام أعين كل الأطراف اليمنية إلى المجلس الانتقالي ثم البرلمان ومن بعده سيأتي إعلان المفوضية السامية لاستفتاء تقرير المصير وإعلان الحكومة ومازالت صنعاء غارقة في أوهام الوحدة التي قتلت في 7 يوليو 1994م. بمقدار التحفظات سواء على تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي أو حتى هذه المسميات (المنفرة) إقليمياً بمقدار ما يمكن النظر باحترام كبير إلى المجلس الجنوبي على اعتبار أنه استطاع طيّ صفحة التشتت التي وسمّ به الجنوبيين، فالدائرة التي لم يستطع أحد تجاوزها بما يسمى القيادات التاريخية تم الخروج عنها في 4 مايو 2017م، تشكيل هذا المجلس كان وسيبقى هشاً ما لم يتم تحصينه بإجراءات تتجاوز اللحظة التاريخية الفارقة التي كانت في التفويض الشعبي على إثر حماقة ارتكبتها قوى النفوذ المسيطرة على الشرعية بإقالة المحافظين الجنوبيين مما صنع تلك اللحظة التي اقتنصها أبناء الجنوب. أمام الخطوة الجنوبية تقف حضرموت كغيرها من المحافظات أمام الاستحقاق الأكثر مفصلية في التاريخ السياسي على الإطلاق، بواعث هذا الوصف تأتي من تجربة سياسية فاشلة بدأت مع استقلال اليمن الجنوبي في 30 نوفمبر 1967م، وما حدث آنذاك لا يمكن القبول بتكراره أو بتكرار جزء منه فالوعي السياسي اليوم نستحضره من تجربتنا السابقة، وهذا الوعي يأخذنا إلى مقاربة مختلفة بحيث تمكننا من القراءة في مستقبلنا السياسي بمعطيات الواقع دون الاستقواء بالقوة المسلحة أو اللجوء إلى استضعاف جهة على حساب أخرى فالتكامل لن يأتي بغير القبول بمبدأ الشراكة الوطنية كمدخل لتصحيح خطايا الجنوب السياسية. ما تتفوق فيه حضرموت عن غيرها من المحافظات الجنوبية سياسياً هي أنها أنجزت مؤتمر حضرموت الجامع في ابريل ٢٠١٦م، ذلك المؤتمر بمخرجاته كان حجر الزاوية السياسي في حضرموت بينما عجزت بقية المحافظات في انجاز هكذا خطوة كانت ستساهم بشكل أسرع بل وأقوى في الخطوات نحو الوصول الى برلمان يحظى بمتانة للصمود في وجه اعاصير ستعصف بالجنوب سياسياً، ومع ذلك لا نستطيع تجاوز خطوات أخرى سار فيها الجنوبيين تمثل اليوم أهمية عالية تكمن في وثائق المؤتمر الجنوبي الجامع كأوراق لم تكتمل غير أنها تضعنا جميعا أمام رسوم على حوائط مازالت باقية ومن الممكن الاستفادة منها. يبدو الحضارمة أكثر المتحفظين من استعادة التاريخ السياسي الجنوبي ولعل هذا هو محفز فعاليتهم السياسية في السنوات العشر الاخيرة، فالحديث عن التمثيل الحضرمي يسبقه حديث عن شكل الدولة وهويتها السياسية، فحالة الارتباك الذي وقع فيها الجنوب عند استقلال ١٩٦٧م أوقعتهم في تسمية اليمن الجنوبي مما وضعهم في مأزق الهوية السياسية الأكثر اضرارا بالجنوب وهو ما عانى منه الجنوبيين طويلا حتى عندما افاقوا عندما كانت جحافل القوات الشمالية تغزو عدن في صيف ١٩٩٤م ليعلنوا فك الارتباط بمسوغ لا يكفل لهم التشبث بهوية سياسية مستقلة. قد يكون التوافق على فيدرالية الدولة مدخل صحيح والأهم تحديد أسم الدولة الجامعة باعتماد مسمى حضرموت الاتحادية بالاستقواء بإرث حضرموت الحضاري، ملامح الوضوح هذه تؤسس لخطوة البرلمان الذي يتحدث عنه المجلس الانتقالي الجنوبي بأنه سيتكون من ٣٠٣ مقعد وبحسب الانتقالي فأنه سيرتكز على معايير الثروة والمساحة والسكان متجاهلاً الشريط الساحلي والحدودي الدولي ومتجاهلا كذلك عدد المديريات والمدن التي تحتضنها كل محافظة من المحافظات، المعايير التي سيرتكز عليها البرلمان الاتحادي في اول جلسة ستحدد مستقبل الجنوب كاملاً وقدرته على مواجهة تحديات ومآلات ليست بتلك المعتادة فالحال قد تغير والصراعات لم تعد بين قطبين أو معسكرين شرقي وغربي بل تعددت الاقطاب فكل الدول أصبحت تمتلك القوة لفرض نفوذها فكيف والمُكلا وعدن معاً تشكلان ممراً مائياً عبر درب الحرير الذي سيبدأ من الصين وينطلق نحو كل العالم عبوراً على مرافئنا التي يجب ان تكون مهيأة لهكذا مستقبل. حصة حضرموت في البرلمان ضامن أول لعدم استرجاع مواريث الماضي البائسة، كما أن هذه الحصة كافلة لبث روح سياسية تتطلع لتقديم نموذج سياسي قادر على التفاعل مع حتميات المرحلة الآنية وهذا يتطلب أن تخرج النخب الحضرمية من سباتها وتبادر نحو الاستحقاقات السياسية فلم يعد هنالك فرضيات للمؤامرة تدور خلفنا إنما هناك فرضية واحدة تقول أن كنا نريد دولة فعلينا أن نكون رجالها وعلى حضارمة مؤتمر حضرموت الجامع أن يكونوا في صدر المشهد السياسي ويكونوا راية شامخة تقود حضرموت والجنوب في مرحلة الميلاد الوطني.