بعد سنوات من الركود والانقطاع فمجال المسرح في اليمن بشكل عام، وخاصة في عدن، يأمل المخرج والكاتب المسرحي عمرو جمال إلى جانب مجموعة من الشباب في أن يستطيعوا إحياء وإعادة نبض المسرح في البلد بعد أن كاد يندثر إلى غير رجعة.

في عام ١٩٩٥ توقف فن المسرح التجاري الذي كان شائعا في عدن نتيجة لحرب صيف عام ١٩٩٤.

 خلال تلك الفترة، سُرقت ودمرت مسارح المدينة، بما في ذلك المسرح الوطني الذي أغلق بعد تعرضه للتخريب والسلب، ثم

سُلِّم، بعدها هيكلا خاويا لمالكيه. ورغم صعوبة وشبه إستحالة البدء من جديد، فإن عمرو جمال، مؤسس فرقة

مسرح (خليج عدن)قد بدأ فصلا جديدا في تاريخ المسرح اليمني و مليئا بالأعمال المتميزة والمتنوعة في هذه المقابلة الحصرية يتحدث عمرو جمال مع المدنيَّة عن رحلة فرقة مسرح (خليج عدن) منذ عام ٢٠٠٥ و عن واقع ومستقبل المسرح في اليمن.

 

هل يمكن أن تخبرنا عن واقع المسرح في اليمن عامة، وفي عدن على وجه الخصوص، في ظل الحرب الحالية ؟

في الحقيقة المسرح في اليمن اليوم في حالة مأساوية. وهذا ليس جديدا، فالمسرح أصلا كان قبل الحرب في حالة سيئة، باستثناء بعض المحاولات النادرة هنا وهناك. التجربة المسرحية الوحيدة التي استمرت لمدة عشر سنوات متتالية هي فرقة مسرح (خليج عدن). عملنا على تقديم مسرحية سنويا لآلاف المشاهدين في ظل ظروف صعبة جدا وتمثلت الصعوبة في شحة المورد المالي وكذلك  في الافتقار إلى البنية التحتية.

ومنذ بدء الحرب ازدادت الصعوبات حيث يحتاج المسرح الجماهيري إلى الأمن لضمان سلامة الحضور. ومع تردي الحالة الأمنية العامة وزيادة أعداد المسلحين والجماعات المتطرفة، فإن إنشاء موسم مسرحي بات أمرا بالغ الصعوبة و ينطوي على مخاطرة كبيرة.

وبالإضافة إلى ذلك،  فإنه من الصعب جدا إقناع الشركات والمستثمرين التجاريين بتمويل أعمال مسرحية؛ لا سيما في ظل هذا الوضع السياسي غير المستقر وفي ظل استمرار الأزمة الاقتصادية.

 

ماذا يعني المسرح لليمنيين؟ هل تتغير رؤيتهم  للمسرح مع مرور الزمن وتغير الظروف؟ بعبارة أخرى: ما الذي كان يعنيه المسرح  للجمهور في الماضي وما الذي يعنيه لهم اليوم؟

الشعب اليمني في العموم يحب المسرح. فالمسرح  يعد نشاطا مفضلا لدى كثير من الناس في اليمن. وبالفعل كان المسرح جزءا ثابتا من حياة الناس اليومية خلال الخمسينات والستينات والسبعينيات، ففي ذلك الوقت كان المسرح نشاطا طبيعيا يتقبله الجميع.

غير أن ذلك لم يستمر طويلا نتيجة للحروب في الثمانينات وحرب صيف عام ١٩٩٤.

ومع ذلك عندما عاد المسرح في عام ٢٠٠٥، من خلال أعمال فرقة مسرح (خليج عدن)، عاد الجمهور سريعا.

وذلك كون ثقافة المسرح جزءا من ذاكرتهم الثقافية  تماما كما كان الأمر بالنسبة للأجيال السابقة. و لا يقتصر الأمر على عدن ولكن أيضا في تعز وإب وصنعاء.

إن رؤية اليمنيين للمسرح لم تتغير كثيرا في الأعم الأغلب؛ فهم يمتلكون روح الفن والابداع واليمنيون كانوا يحبون المسرح ولا يزالون يحبونه لما يحمله من مضامين جمالية ذوقية ورسالة اجتماعية نفعية.

 

ماذا عن دور المسرح في نشر الوعي وتناول القضايا اليمنية؟ هل تناولتم هذه القضايا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف ومتى؟

’المسرح أبو الفنون‘ كما يقال. و قد سمي بذلك نظرا لأهميته بين الشعوب. ومن هنا، فالمسرح يعد من الوسائل الرئيسية في نشر الوعي.

وعلى ذلك، فلا بد أن يعكس القضايا اليمنية الملحة، و إنْ كان هذا العكس فنيا؛ أي بطريقة غير مباشرة و بصورة مسلّية. وعلى العكس من بعض المجتمعات الأخرى التي تفضل المسرحيات التي تبتعد عن الواقع، فإن الجمهور اليمني حريص على مشاهدة المسرح الذي يحمل أفكارا من قلب الواقع ويناقش القضايا المحلية بشكل ساخر.

وخلال العشر سنوات الماضية أصبحت المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني تعي ذلك، ولهذا بدأت بدعم المسرحيات القصيرة التي تتطرق إلى قضايا معينة في العديد من مشاريعها. ولدينا حوالي عشر مسرحيات قصيرة تتعلق بقضايا مختلفة من واقع المجتمع تعرض أسبوعيا.

 

وصفت اليمنيين بأنهم يمتلكون روح الفن والإبداع، ماذا عن الكتاب المسرحيين اليمنيين وتأثيرهم على العمل المسرحي؟ هل يمكن أن تحدثنا عن ذلك؟

ليس هناك الكثير من الكتاب المسرحيين اليوم كان هنالك عدد قليل في الفترة الذهبية للمسرح؛ أي الفترة التي كانت قبل التسعينات. بعد التسعينات انخفض عدد الكتاب المسرحيين إلى حد كبير بسبب الركود والإحباط الذي ساد معظم العاملين في مجال المسرح خاصة.

غير أنه مع ظهور فرقة مسرح (خليج عدن) في عام ٢٠٠٥، فإن الأوضاع قد تحسنت مرة أخرى وعاد بعض الكتاب لكتابة المسرحيات. ولكن لسوء الحظ، انسحب هؤلاء الكتاب بسرعة بسبب عدم وجود دعم من المهرجانات.

هذا مع الاقرار بوجود بعض المحاولات النادرة التي يقوم بها كّتاب مسرحيون ناشئون. و في الحقيقة، فإن أزمة الكتابة المسرحية لا تقتصر  على اليمن فقط، و إنما تشمل المسرح العربي خلال العقدين الماضيين، وذلك لأن المسرح لا يحظى بدعم في معظم البلدان العربية.

 

المسرح هو شكل فني جريء، خاصة عندما يستهدف الفساد بطريقة كوميدية. كيف ترى دور الرقابة هنا؟ كيف تساعد أو تعيق الأداء المسرحي؟

في واقع الأمر ينعكس غياب اهتمام الدولة بالمسرح على الرقابة. في كثير من الأحيان نحن لا نخضع لأي أساليب ضبط أو رقابة من طرف الدولة، غير أن هناك رقابة ذاتية ومجتمعية. نحن ككتاب مسرحيين لدينا وعي بحدودنا و إلى أية درجة يمكننا أن نجرؤ على إثارة قضية سياسية أو اجتماعية أو دينية، أو حتى أن نُخضِع بعض العادات والتقاليد القديمة البالية و الظالمة للتساؤل.

 نحن نعرف أين نبدأ وأين نتوقف  وذلك حتى لا نعرض أنفسنا لخطر رقابة الدولة أو المجتمع الأوسع أو الجماعات المتطرفة. و من هنا، كان لزاما علينا أن نمارس الرقابة الذاتية حتى نعبر عن أفكارنا بإسلوب يضمن سلامة الجميع في العمل المسرحي.

 

لعبت فرقة مسرح (خليج عدن) دورا كبيرا في إحياء المسرح بعد سنوات طويلة من الغياب، أخبرنا عن هذه التجربة والتحديات التي واجهتها وكذلك الإنجازات التي حققتها؟

شهد الخامس من مايو عام ٢٠٠٥ تأسيس فرقة مسرح (خليج عدن)، والتي ظهرت لأول مرة عبر أول مسرحية من تأليفي وإخراجي، تحت عنوان ’عائلة دوت كوم‘، ضمن برنامج ’ليالي عدن: المهرجان المسرحي الثاني‘ في ٢٠٠٦/٢٠٠٥.

بعد النجاح الكبير الذي حققته المسرحية قرر أعضاء (خليج عدن) المضي قدما نحو تقديم المسرح التجاري، وكان ذلك التحدي الأكبر للفريق، نظرا لغياب المسرح منذ سنوات حرب صيف عام ١٩٩٤ التي تسببت في تدمير المسارح في المدينة، كما ذكرنا سابقا.

ونتيجة لظروف عدن في فترة ما بعد الحرب كان على مسرح (خليج عدن) أن يبحث عن مساحات مكانية بديلة لتقديم الأعمال المسرحية. وبعد بحث طويل وقع الاختيار على مسرح في سينما هريكن التي تقع في قلب كريتر، وأصبح ذلك المسرح المساحة الرئيسية لتقديم جميع أعمال الفرقة.

عمل أعضاء مسرح (خليج عدن) مع إدارة السينما للتوصل إلى نظام لإدارة الأعمال المسرحية التجارية، نظرا لغياب الخبرة والدعم من الحكومة. 

وقد تراوح هذا العمل في مصفوفة من الجهود بدءا من البحث عن وسائل الإعلان، وصولا إلى البحث عن الرعاة والشركاء من الشركات والمنظمات، وانتهاء بإعداد الموقع وتأسيسه من العدم حتى يكون جاهزا للأداء المسرحي.

خلال هذه الرحلة الطويلة تمكن مسرح (خليج عدن ) من خلق تجربة رائدة في الإدارة المسرحية ليشكل نجاحه نموذجا يحتذى من جميع الفرق الأخرى التي تأسست في وقت لاحق وحتى من قبل تلك الفرق التي كان لها خبرة في ممارسة العمل المسرحي قبل عام ١٩٩٤، والتي كانت، حينها، مدعومة من قبل الدولة.

في مسرحية (خليج عدن) الأولى، لم يتعدَّ الجمهور ٣٥٠ شخصا، ثم ارتفع العدد بشكل ملحوظ حتى بلغ عدد الحضور في عروض 2008 أكثر من ٨٠٠ شخصا.

منذ عام ٢٠٠٥ وحتى اليوم لا تزال عروض (خليج عدن) المسرحية تقدم باستمرار مع تزايد إعجاب الجمهور عاما بعد عام. ولم تقتصر العروض على مدينة عدن فقط؛ بل قدمنا العديد من العروض الناجحة في صنعاء.

كما تعدت الفرقة حدود اليمن لتكون أول فرقة يمنية تقوم بأداء أعمالها في أوروبا، حيث قدمت مسرحيتها الشهيرة ’معك نازل‘ في عام ٢٠١٠ في مدينة برلين في المانيا. وتمثل مسرحية ’معك نازل‘، المستوحاة من المسرحية الألمانية ’الخط رقم واحد‘، نقطة تحول لـ(خليج عدن)، وتم إنتاجها بالتعاون مع البيت الألماني للثقافة والتعاون في اليمن.

وخلال السنوات الماضية، انتجنا أعمالا متنوعة، بما في ذلك المسلسلات والبرامج الكوميدية، منها مسلسل ’فرصة أخيرة‘ في عام ٢٠١٣، والذي حظي بشعبية كبيرة وأصبح ايقونة في الدراما العدنية الأساسية على الشاشة الصغيرة.

 

ما هي توقعاتك لمستقبل المسرح في اليمن عامة وفي عدن خاصة ؟ هل يمكننا أن نقول إننا ما زلنا في عام ١٩٩٥؟

مستقبل المسرح يعتمد على نهاية الحروب وعودة الاستقرار إلى البلاد.

وما لم يحدث ذلك، فإن دورالمسرح سيبقى هامشيا، ولن يكون له الدور القيادي التنويري كما ينبغي وكما يتوقع منه.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ          

      

عرفت عدن المسرح منذ زمن بعيد نسبيا بالمقارنة إلى ما جاورها من مدن شبه الجزيرة العربية، وكان لهذه المدينة، التي خضعت للانتداب البريطاني، السبق في تعريف ما جاورها من المدن بالمسرح.

ووفقا للمؤرخ بلال غلام، جاء المسرح إلى عدن عن طريق الصدفة في عام ١٩٠٤، وذلك عبر الفِرَق الهندية التي ضمت الموسيقيين والمغنين والممثلين، إلى جانب عدد كبير من الحيوانات الأليفة والطيور. ووفقا لغلام، " أبهر أداء تلك الفرق سكَّان عدن وهو ما قاد إلى تأسيس أول مسرح عدني في عام ١٩١٠ على يد طلاب المدارس الحكومية." ويواصل غلام: "قام الفريق بأداء مسرحية ’يوليوس قيصر‘ في تلك الفترة للكاتب الإنجليزي وليم "شكسبير على مسرح صغير في منطقة كريتر في عدن.

ويعتبر بلال غلام أن تلك نقطة البداية وأنه منذ ذلك الحين زاد الإعجاب بالمسرح حتى أنشأ الناس في عدن تاريخهم المسرحي الخاص. ويقول المؤرخ موضحا: " في البداية كان المسرح يعتمد على المسرحيات الأجنبية المترجمة من الهندية والإنجليزية ثم تطور إلى إعداد روايات تاريخية عربية خاصة تؤدى بشكل درامي حواري على المسرح

و طبقا لغلام، فإنَّ هناك العديد من العوامل التي دفعت إلى تقدم المسرح في عدن؛ ومن ذلك الدور الذي اضطلع به المثقفون الرواد إلى جانب روح الفكاهة التي يتميز بها سكان المدينة.

وقد تشكلت بعض هذه التميزات الثقافية لمدينة عدن نتيجة لعوامل تاريخية كتأثير الاحتلال البريطاني في المدينة و تفاعل عدن الساحلية مع أمم وحضارات أخرى. و"على عكس المناطق الشمالية، عملت النساء إلى جانب الرجال منذ بداية المسرح.

ورغم أن المسرح قد وجد طريقه إلى صنعاء ،أيضا، وظهرت النساء على خشبة المسرح في السبعينات إلى جانب الرجال، إلا أن ذلك أدى إلى نفور بعض الجمهور ذي التوجه التقليدي عن  فرجة المسرح"كما يرى غلام.

وأضاف غلام أن المسرح قد أخذ في الانتشار في أماكن مختلفة من عدن خلال فترة أربعينيات القرن العشرين؛ وذلك عن طريق المسارح الصغيرة المتنقلة.

شهدت الخمسينات والستينات فترة ذهبية في المسرح، حيث ظهرت فرق عديدة، وكانت الفرقة الأكثر شهرة في ذلك الوقت فرقة مصافي عدن.

وقد ناقشت المسرحيات في ذلك الوقت القضايا الوطنية والاجتماعية الملحة؛ مما جعل السلطات الاستعمارية البريطانية تمنع بعض المسرحيات، وخصوصا عندما أدركت تأثيرها على الشعب.

وما إنْ رحل البريطانيون حتى أخذ المسرح في التطور بصورة متسارعة. وفي دولة الاستقلال ظهرت المؤسسات المسرحية الرسمية، وقد كان أشهرها المسرح الوطني الذي استمر حتى عام ١٩٩٤، ثم دمر لتبقى أطلاله قائمة حتى يومنا هذا.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عمرو جمال مخرج وكاتب مسرحي وتلفزيوني من مدنية عدن. حاصل على بكالريوس تكنولوجيا المعلومات من كلية الهندسة من جامعة عدن في ٢٠٠٧.

بدأ عمله الفني في عام ٢٠٠٥ بتأسيس فرقة خليج عدن المسرحية.

أخرج ١٠ مسرحيات جماهيرية و ٥ مسلسلات تلفزيونية وبعض الأفلام الوثائقية.

كما أخرج مسرحية (معك نازل)التي تعتبر أول مسرحية .يمنية تعرض في أوروبا