*مرزوق الحلبي

 

   لا أعرف هذا الإصرار من البعض على تصنيف الكتابة بين شعر ونثر. كلّما طالعهم نصّ سألوا بعضهم أهذا من الشِعرِ أم من النثرِ؟ وواصلوا السؤالّ كمُحترفين: وهل هو موزون بالكامل أم مشغول على التفعيلة؟ وقد يعودون إلى مُبدِعه بقرار جماعي أو بفتوى أن النص غير قابل للتصنيف ولذا وجب شطبه أو عدم اعتباره. طالما استعصى التصنيف فإنّ النصّ ـ هكذا يقولون ـ غير جدير باهتمامهم ولا هو من الأدب في شيء!

سيسمح لي أصحاب الجلالة الأدبية هؤلاء أن أعتبر إصرارهم هذا كإصرار البعض على رؤية الهوية الجنسية إما ذكرا أو أنثى، ولا شيء غيرهما! فلا يرون التعدد في الهويات الجنسية على المحور بين الهويتين بدءً بالمثليين والمِثليات وانتهاء بالترانسجندريين والترانسجندريات. والإصرار على التصنيف الثنائي يعني في حالِ الهُوية الجنسية عدم منح شرعية وجود للهويات المُغايرة. وما يحصل في الحقل الاجتماعي يحصل في الحقل الأدبي، أيضا. هنا وهناك نحن بصدد نظرة مُحافظة جامدة، للمجتمع وللنصّ الأدبي. وفي الأدب مثلما هو في المجتمع فإننا حيال خوف من “الاستثنائي” و”المُغاير” الذي لا يخضع لنِظام وحُكم جاهز مُسبقا وغير قابل للفهم بلُغة متقادمة ووسائط نظرية مُحافظة. وكما رهاب المثليّة في المجتمع هناك رِهاب النصوص الهجينة أو الخارجة عن التعريفات التقليدية الرافضة للخضوع لـ”نظام” نقدي تنظيري جامد.

التصنيفات الثنائية لنصوص والسعي الدائم وفق هذه الذهنية إلى وضعها في طابورين اثنين، طابور النثر وطابور الشِعر، يعكس جُملة من مكونّات هذه الذهنية. فقد يعكس عجزا معرفيا حقيقيا عند أصحاب هذا الرأي في مَفْهَمَة ما نشأ وتطوّر من إبداع خارج القفصين ـ شعر ونثر. وهو في رأيي أيضا عجزٌ عن تخيّل إمكانية حضور الشعر في المنثور أو مجيئه بحرية وعفوية إلى النثر والمكوث هناك ابنًا شرعيا للنص ومُحدثا للسِحر والجمالية الآسرة والمعنى الجديد.

من مكوّنات هذه الذهنية أيضا ذاك ربط الشعر ربطا وجوديا بالإيقاع والتفعيلة إذ لم يكن بالعروض وبحوره. وهو ربط يُسهّل التصنيف علما بأنه غير ضروري. فإذا لم يكن شعرا موزونا ومفعّلاً على البحور السهلة وتلك المركّبة أو على مبانٍ تفعيلية مُستحدثة، فسيكون نثرا. من الصعب ضمن فرضية كهذه أن تجد شعراً بغير إيقاع أو رتم أو “إطار” شكلي أو إيقاعي ما وضعه السابقون ويُريد السلفيون في الأدب تأبيده ومحاصرتنا جميعا فيه كي نُقرأ أو يتمّ تداولنا. أصحاب هذه الرؤية بحاجة دوما إلى أدوات هذا التمييز والوزن والعروض كعلامة فارقة تساعدهم على ترتيب عالمهم الأدبي وتداوله أو استيعاب النصوص الإبداعية الجديدة وتدريجها على السلّم الهرمي لتصنيفاتهم في مرتبة أدنى إذا كانت هجينة أو غير واضحة الهوية ـ تماما كما يحصل للغيريين في الهوية الجنسية! أو قد يتمّ شطبها من سوق التداول لأنها عصية على التسمية عندهم. هؤلاء لا يُطيقون عالم الأدب إلا مصنّفا ومبنيَّا على اليقين وعلى ما هو غير قابل للتأويل ـ وليذهب لودفيغ فيتغنشتاين وجهد عُمره إلى الجحيم! أما إذا اتسم الإبداع الأدبي بكسر المألوف والإيقاع والقوالب وبالمجازفة والمشاغبة والرشاقة والحركة ابتعادا عن “البيت” المعروف لأصحاب هذا المذهب، اختلطت عليهم الأمور وجُنّ جنونهم. ومن هنا تصير الطريق قصيرة إلى شن حملات ضد هذا الإبداع وأصحابه وتكفيرهم ـ تماما كما يحصل في حقل الاجتماع والحقل الديني عند حصول خروج عن نظام الجسد والعائلة التقليديين أو عندما يأتي الواحد بتأويل للنص يخرج فيه عن التفسير المألوف.

اللافت أن هذا السعي إلى اليقين في التصنيف يأتي في زمن ما بعد الحداثة التي ينتفي فيها ذاك اليقين الذي أنتجته الحداثة ووصلت فيه حد الكارثة. إصرار غريب في زمن الحقائق المتعددة وتلك السيولة في المعنى والقِيمة والدلالة وفي زمن تداخل الحدود وتقاطع الأشكال. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى حقيقة أن الثقافة العربية في مطالع النهضة العربية حتى الستينيات من القرن الماضي شهدت انفتاحا جدّيا ومتنورّا في هذا المجال على أشكال جديدة للشعر والرواية والقصّة والكتابة الأدبية بشكل عام. وعليه، تبدو هذه العودة إلى التصنيف كنزعة ماضوية صرف لا مبرّر لها سوى الكسل المعرفي والاكتفاء بأداة تفرز العالم بين أبيض وأسود. وسنرى في هذا النكوص إلى التصنيف الثنائي نوعا من ردّة الفعل على واقع من التعدد والاختلاف يعجز هؤلاء عن إدراكه أو تطوير معارفهم وأدواتهم لقراءته فيرتدّون إلى التبسيط والتسطيح ـ كما في السياسة والاجتماع والدين ويُعملون “سلطتهم” هذه على النصوص المتراكمة.

وقد شهدت في أحد الأيام مؤخرا واقعتين من صديقتين مُبدعتين. في الواقعة الأولى ـ كتبت إحداهن شكواها من أن “أصدقاء جادّين” في حقل الأدب نصحوها بتوضيح هوية نصّها وتطويره ليصبح شعرا مفعّلا أو موقّعا حتى تكتمل شاعريته فيُقرأ بيُسر ويُحسب ثمّ يتمّ تداوله نقدًا. في الواقعة الثانية، شكت صديقتي من أن أساتذة جامعيين عدلوا عن الحديث عن أمسية احتفاء بصدور مجموعتها الشعرية بعد أن علِموا أنها جاءت أصلا من مجال العُلوم! أو أن بعضهم امتنع عن تداول نصوصها لأنها غير موزونة ولا مفعّلة! في الحالتين تمّ التعامل مع النصوص من خلال الشكل التي وردت فيه لجِهة التقليل من شأنها لأنها لا تستوفي شروط العروض بصيغته الثقيلة ـ البُحور التامة ـ أو تلك الخفيفة ـ التفعيلة الحديثة! وهي نظرة أصولية إلى الشِعر تنفي وجوده خارج حدود العروض و/أو التفعيلة و/أو الإيقاع. وهي نظرة تلتقي مع نزعة بعض المشتغلين بالشعر المعتقدين من كل عقلهم وبالهم أن معرفة العروض هي شرط الشعر الأول والأخير. فيكفي أن تعرف بحرين أو ثلاثة وتقطيع عروضها حتى تصير شاعرا وتفتح لنفسك حسابا شعريا أو صفحة أو مدوّنة مزيّنة باللقب المنشود ـ الشاعر/ة! هنا أيضا تتجلّى النظرة التسطيحية للشِعر التي تلتقي مع تسطيح المصنّفين بين ذكر وأنثى وبين شِعر ونثر! هؤلاء الراغبين بلقب شاعر عبر العروض كسالى كالراغبين في وضع كل النصوص وفق جدول من خانتين ـ شعر ونثر وما ليس كذلك يسقط من الحِساب!

هذا على الرغم من ثبوت الحقيقة العملية والنظرية، أيضا، من أن الشعرَ يعيش في العروض وخارجه وفي التفعيلة وبدونها، بل قد تكون عيشته الحرّة هذه هي ما تمنحه سِمات الشِعر. واللافت أن الكثيرين من أصحاب التسطيح العروضي للشر يكسرون ويلحنون ويخذلون العروض والتفعيلة والإيقاع كلّما كتبوا لكنهم مصرّون أن كتابتهم شعرا ما دامت تروم العروضَ أو منزلةً قريبة منه! وهم في هذا كمَن يُحاول أن يتحدث لُغة أجنبية لا يُتقنها حتى لا يظهر في المجموعة التي ينتمي إليها أنه لا يُجيدها. فإذا نطقَ بها كسّر أضلعها أو سقطت منه حروفها على الأرض أو بين الأرجل! فبدل أن يبحث واحدهم عن الشِعرِ ويلمس أذياله أو يطأ عتبته فيتبارك به، يكتفي بالذهاب إلى الخليل ابن أحمد ويستعير منه دلو ماء من أحد بحوره ليدّعي لاحقا أنه من الغواصين ومن الفحول في الشعر. وسنجد مثل هذه الظواهر في التديّن الشعبوي. عندما يحفظ أحدهم الآيات ثم يتلوها علينا أو يكرر بعض الأحاديث عن الفقر وأخرى عن نُصرة الأخوة وقت الضيق، ويُطالبنا بعدها بدفع فاتورة وهي الاعتراف له بالتقوى والورَعِ الشديد والقُرب من الله أو من الأولياء والمُرسلين. وكلّ “العروضيين الجُدد” يُطالبونا بالاعتراف لهم بشاعريتهم وفنّهم العظيم!

لقد أسهمت المذاهب النقدية المحافظة في الثقافة العربية في تكريس هذه الذهنية القائمة على تصنيف ثنائي يرفض كل تعددية وإن حملت فوق ظهرها الإبداع والجديد الخلّاق من نصوص. إنها طريقة النقّاد الكسالى على الضبط والتحكّم والكلام. سيفقدون القُدرة على الكلام لو كان النص متجاوزا لقوالبهم. سيحاولون جاهدين بكل الوسائل إعادته إلى قمقمه كي يُمسكوا به ويقنّنوه! وهي نزعة تلتقي مع تلك النزعة القائمة على تسمية الأدب من أشكاله، من طوله وقِصره، من بنيته المُركّبة أو السردية، من حبكته أو غيابها، من الوزن أو غيابه. وتلتقي أيضا مع الشعبوية في الدين والاجتماع والسياسة التي تقسّم كل الظواهر والموجودات إلى اثنين. نصف كأس ملأى ونصف فارغة، أسود وأبيض، معنا وضدنا، مؤمن وكافر، خير وشرّ إلى آخر ثنائية في الكون!

الشعر في نهاية المطاف هو هذه القُدرة على إبداع كيانات أجمل وأكثر إدهاشا في اللغة. هو هذا السِحر الذي كلما اكتشفته ضاع منك وترك فيك شعورا بالخسارة ورغبة بالمزيد. والنثر الأدبي هو ذاك القادر على إنتاج مثل هذه التجربة لدى المتلقي. بمعنى أن أثر النص في المتلقي هو الأساس وليس شكل النص أو بُنيته أو موسيقاه. فحتى تكتمل فنية النص نحن بحاجة لأكثر من مكوّن أو سِمة. فلا الموسيقى وحدها تكفي ولا الإيقاع ولا المفردات وحدها تكفي ولا إيقاعاتها الداخلية ولا الصور الشعرية وحدها تكفي ولا الاستعارة والمجاز وما يُمكن أن ينشأ عنهما من كيانات. ولا الخيالَ وحده يكفي ولا كسر المألوف يكفيان لوحدهما. لا البساطة وحدها تكفي ولا الضبابية الإيحائية، لا المباشرة أحيانا تكفي ولا المواربة، هناك حاجة في كل نص إبداعي إلى تضافر أكثر من مكوّن أو عامل ليرقى إلى فنّيته أو ليتملك قُدرته على الإدهاش وتوليد السحر الآسر. وعلى المُبدع أن يعرف أيها سيُدخل في نصّه ومتى وبأي قدر يفعل ذلك.

لم تعد هناك ضرورة لأي تصنيف للنصوص الإبداعية لا بين شعر ونثر ولا بين هذا وذاك من تسميات وأنواع. فالأهمّ فنّية النص لا اسمه، شاعريته لا إيقاعه. وأنا على يقين بأننا لا نبلغ سدرة منتهى الأدب من شكله بل من جوهره، لا نبلغها بالبقاء عند إطاره بل بالدخول إلى قُدس أقداسه، لا نبلغها من الطواف حول بيته بل بفتح مغاليقه والدخول إلى ضريحه. ومن هنا أصل إلى ادعائي القائل بأن نسبة كبيرة من المشتغلين بالكتابة لا تفقه سرّ الكتابة الإبداعية، لا إذا ادّعت أنها تكتب شعرًا ولا إذا أصرت أنها تكتب قصّةً أو خاطرةً. وقسم منهم يذهبون في الخيار الأسهل ـ يتدربّون على الكتابة العروضية لعلّهم يُصابون بالشعر! مثل الذين يرتدون البدلات والأحذية الرياضية لعلّهم يُصابون ببعض اللياقة!

في نصوص هذه المرحلة شيء من فوضى وكثير من المجازفة خارج ما ألفناه من نسق قابض على الأدب والثقافة العربية بشكل عام وهو نسق”الاتباع لا الإبداع” نشدانًا للسلامة والطمأنينة. وفي هذه الُمجازفة تكمن الفُرصة في حركة إبداعية راقية ومُضيئة. هذه الكسور الحاصلة في الأشكال هي ضرورة لإنتاج الجديد من المضامين وإطلاق المُشرق من الأفكار. والتعددية في الأنواه وهويات النصوص هي هي منابع الفرح بنصوص تأخذ الأدب العربي ـ والثقافة عموما ـ إلى زفاف العجائبي بالمُشرق في ثقافة الإنسان والعالم وآدابه. وقد آن الأوان أن يكون في النثر ما يحتاجه إلى شعر وفي الشعر ما يحتاجه إلى حرية وفي كلاهما ما يحتاجانه ليحلّقا بنا نحو عوالم أخرى أكثر فرحا واتساعا وألوانا ـ لقد مللنا من ألأسود والأبيض!

وأخيرا، الأزمة إذا وُجدت، أزمة تصنيف وقوالب وتأطير لا أزمة نصوص إبداعية!

ـــــــــــــــــــــ
ثقافات