كنت أعرف بأنه أعمى ، أبصرته في وحدته ، في عجزه اللانهائي ، نحن الحمقى لا يزال أمامنا بقية من خيار ، أما هو .. فذات بلا أمل !  .. لا أدري ما هو دافعي نحو محبة الذوات المنكسرة ، خصوصا تلك التي عبرت خط اللاعودة ، أشعر نحوها بحنين مرضي ( نوستالجيا ) ،  كوطن مفقود ، وفي حالتي نبوءة منتظرة . سألت نفسي حينها : كيف يفكر اﻷعمى ؟!  هل لديه منطق مختلف عن منطق المبصرين ؟!  .. لا شك بأنه يمتهن النزق الذي أعاني منه اﻵن !  ولا شك أن مرارته أبلغ من خطيب ساذج !

        وفي طور المراوحة المعتادة ، نشر الطائر جناحيه ، وطار .. هبط أمامي ، انتهيت من رقصي الكئيب ، وهرعت نحوه .. جلست بجانبه ، إذ لم يكن من مكان آخر ، سلمت عليه ، جلست بلا مبالاة .. أعظم رغائبنا هي تلك التي ننظر إليها باحتقار !  ترفع ارستقراطي ، يمتهنه فلاح حقير ، كيف الحال ؟  .. مقدمة طللية تفرضها اللياقة المجتمعية ، البسطاء وحدهم من يقع في حفر مماثلة ، يردون ..  ثم ينهمرون في سيل من الثرثرة .. أتحسب أني بخير ؟!  هكذا سار بنا الحديث ، تظاهرت بالجهل ، أضاف أنا شخص أعمى !  ماذا ؟!  .. لم أعلم ما الذي دفعني لهذا الادعاء الكاذب ، كنت أظن بأني بمسايرته أعطيه نوعا من لذة الاعتراف والشكوى ، ككاهن يستمع إلى اﻵثمين ، ويمنحهم صكوك المغفرة ..
نعم ، أنا كذلك !  كان ذلك منذ خمس سنين ، وبدأ يحكي قصته ، لكن غصة خنقته في منتصف الطريق ، وجعلته يحمد الله على كل حال ، صوته لم يشي بالحمد ، كان السخط يذيب بقية إيمان عالقة بأهداب قلبه ..