كل قارئ فطن لتاريخ اليمن المعاصر لا بد أنه سيكون ساكناً رابط الجأش وهو يتابع كل هذا السيل العرم عبر مواقع التواصل الاجتماعي كردة فعل لحادثة (تفجير) صالة العزاء في العاصمة صنعاء، القراءة في تاريخ اليمن تضع إجابات واضحة أمام سلسلة من الحوادث الدامية، بل الإجرامية التي تُشكِّل دائماًَ وأبداً منعطفات في التاريخ السياسي اليمني.

 

الصراعات القبلية والمذهبية هي جزء من تركيبة الإنسان في اليمن، هذه الصراعات أسقطت حكم الإمامة في 1962م ولكنها استعادت روحها وشكلها الطبيعي بشكل سريع بمزاوجة الإمامة بالجمهورية، هذا المفهوم قد يصعِّب كثيراً على المتابع العربي الذي لا يستطيع أن يستوعب الارتباطات بين القبيلة والمذهب وحتى القرية والأسرة، الصراعات اليمنية اعتادت على استدعاء موروثاتها الأصيلة عند انسداد الأفق السياسي.

 

في التاريخ اليمني تظهر حادثة اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي 1977م كذلك اغتيال خلفه الرئيس أحمد الغشمي 1978م، وتحديداً اغتيال الحمدي كانت وما زالت وستبقى معيناً زاخراً للروايات التي تتوارث وتتقاطع مع كل مرحلة من التاريخ في اليمن، الضبابية حول حادثة الاغتيال أسلوب يأتي في السياق الملائم للحالة اليمنية التي تصنع من الغدر بالعدو فارقاً لإحداث ثغرة تؤدي لمساحة مصالحة سياسية أو على الأقل فرصة للتسوية المؤقتة. في العام 1994م حدث أن المخلوع صالح قام بضربة قاصمة لأقوى الوحدات العسكرية الجنوبية في محافظة عمران ثم شنَّ الحرب الشاملة وفرض الواقع السياسي بعد أن اشتدت به الأزمة السياسية مع شركائه في دولة الوحدة، وحتى الآن لم تصل كل القراءات للكيفية التي حوصر فيها اللواء الثالث مدرع (الجنوبي) وتم تصفيته غدراً، هذه الحادثة تذهب إلى الاختفاء القسري غير المفهوم معالمه حتى الآن، فاختفاء صالح منصر السيلي (جنوبي معارض للمخلوع) منذ 1994م ما زال سراً من الأسرار الغامضة التي تغص اليمن بالكثير منها.

 

لا تتوقف الأحداث الدراماتيكية في اليمن والشواهد كثيرة منها ما حصل في العاصمة صنعاء (مارس 2011م) فيما يطلق عليه بـ (جمعة الكرامة) أثناء ما خرج اليمنيون يطالبون بإسقاط نظام علي عبد الله صالح، ما حدث حتى اليوم روايات متضاربة فكل طرف يتهم الآخر بأنه المتسبب في فتح النار على المدنيين، وفي ذات الحادثة هناك أطراف ظهرت بعدها بشكل مختلف.. المخلوع صالح اتهم حزب الإصلاح، والإصلاح انتقل من خانة الشراكة السياسية مع المؤتمر الشعبي العام إلى خصم يريد انتهاز الفرصة لإسقاط السلطة والصعود إلى سدة الحكم في اليمن.

 

أيضاً حادثة تفجير جامع النهدين (يونيو 2011م) التي كادت أن تؤدي إلى التصفية الجسدية للمخلوع صالح، فعلى الرغم من مرور خمسة أعوام على الحادثة، وبرغم أن الأطراف المتصارعة تعرف تماماً كافة أسرار تلك الحادثة التي انتهكت فيها حرمة بيت من بيوت الله غير أنهم لم يكشفوا للرأي العام حقيقة ما حصل، فما حصل كان حادثاً مع اشتداد الأزمة السياسية من مارس وحتى يونيو 2011م، وكان لا بد من تغيير المعادلة السياسية وهو ما حصل تماماً بقبول الأطراف للمبادرة الخليجية للخروج من الصيغة المغلقة التي كانت واقعة بين أطراف النزاع.

 

تدرك الأطراف اليمنية أن لا أخلاق إطلاقاً في الحرب بينها، وتدرك أيضاً أنها تعيش حالة من الانسداد السياسي الصعب نتيجة تكافؤ الأطراف عسكرياً خاصة في جبهتي الجوف ومأرب، وأن الجميع يشعر بالإنهاك ولذلك يحاول كل طرف من الأطراف إحداث فارق (صاعق) يكون قادراً على تغيير المعطيات الجامدة للحصول على فرصة للتوافق السياسي.

 اتهام التحالف العربي بالتسبب بالعملية يأتي في سياق الصراع اليمني كذلك، فالمتابع للقنوات الإعلامية التابعة لحزب الإصلاح (سهيل وبلقيس) سيجد أنها تحرص على إلصاق التهمة بالتحالف العربي كما يفعل الانقلابيون في صنعاء بتوجيه التهمة لطائرات التحالف، إذن نحن نتفهم اللحظة كل هذا السياق في محاولة للخروج من أزمتهم وإلقاء المسؤولية على طرف ثالث، التحالف العربي الذي دعا الولايات المتحدة الأمريكية إلى المشاركة في التحقيقات حول الحادثة يدرك خلو مسؤوليته تجاه ما حصل، فالشبهة تدور حول الأطراف اليمنية المتصارعة، وهذا ما أفادت به أسرة الرويشان صاحبة العزاء التي أصدرت بياناً طالبت فيه انتظار نتائج التحقيقات وتحدثت عن شبهات داخلية حدثت مع توقيت الانفجار.

القراءة في سياق متصل للتاريخ اليمني تدفعنا لتأكيد أن حادثة صنعاء تأتي في تلازم تاريخي لأحداث ووقائع دامية غيَّرت من المشهد السياسي اليمني، ولذلك فإن ما سيأتي نتيجة حادثة صنعاء سيذهب إلى توافق يضع مساراً سياسياً جديداً لليمن ومخرجاً من الأزمة الحالية دون أن ينتصر طرف على آخر في عادة يمني.