رغم الإختلاف الجذري في النوايا والمنطلقات والعناوين السياسية ، إلّإ أن ثمّة مشتركات بين حكّام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ( 1967 _ 1990 م ) وحكّام قطر الحاليين : فكلاهما أنشأ دولة ( وظيفيّة ) مستخدمة إلى حد بعيد لإنجاز مشروع فكري سياسي لقوى عقائديّة خارج حدود الدولة ( الوطن ) ، وكلاهما ربط مصيره الوجودي بالإسناد الخارجي ، وكلاهما مثّل حالة مغايرة للحالة السائدة في الجزيرة والخليج .

ففي حالة ( ج ي د ش ) أضاع الحكّام وطنا وهويّة ، ويبدو إن حكّام قطر في طريقهم للبكاء على ضياع ملك ووطن . 

 

وأكون قد جانبت الصواب تماما لو ماثلت بين اخلاقيّات حكّام الجنوب المحكومين بأحلام طوباوية لا تنتمي للسياسة في شي ، وبين حكّام قطر الحاليين المدفوعين بمصالح غير مشروعة خارج حدود الدولة يسعون للوصول اليها بصفتهم وكلاء عبر( مايعتقدون ) أنه استخدام ذكي لجماعات الإسلام السياسي ومافيا السلاح والنفط والمخدرات العالمية .

أكون قد جانبت الصواب لو ماثلت بين حكّام الجنوب القوميين الذين قدموا ( الوطن ) قربانا لمشروع هلامي لم تتشكّل  ملامحه بعد وهو مشروع الوحدة العربيّة وحكّام قطر :

فمشروع ( الوحدة اليمنية ) ماكان بالإمكان  تسويقه في الجنوب  بمعزل عن المشروع القومي العربي ، لذا وجد القوميون العرب وكذا الشماليون اليمنيون ضالتهم في هذا العنوان الخادع لابتلاع الجنوب . حتى النقلة ( من القومية إلى الأممية ) التي تمّت في الفكر والوجهة السياسية للدولة الجنوبية بعد بضع سنوات من إعلانها  ، كانت استحقاق قومي بامتياز كما يعتقد الحكّام الجنوبيون الذين وضعوا على عاتقهم آنذاك مهمة تسليح حركات المقاومة الفلسطينية والبحث عن الدعم اللازم لذلك ، الذي لم يكن متاحا حينها إلا من المعسكر الاشتراكي ، وفي غمرة قيامهم بهذا الدور والانغماس فيه ، وجدوا أنفسهم ووطنهم يدورون في فلك المعسكر الاشتراكي ، أمّا التأصيل الفكري والعقائدي للارتباط بالمعسكر الاشتراكي  فقد تولّى أمره اليساريون العرب وبالذات الفلسطينيون .

 ارتهان القرار الوطني الجنوبي  لصالح مشروع قومجي أممي ولا سيما دعم المقاومة الوطنية الفلسطينية _ وهي مهمة نبيلة بالعرف الإخلاقي _ أضاع من بين أيدينا وطنا وهويّة  ، وعرّضت هويّات وطنية أخرى للإهتزاز كما هو الحال في الأردن ولبنان رغم أن أنظمتها لم تضطلع بذات الدور الداعم للقضية الفلسطينية الذي قام النظام في عدن ( 1967 _ 1990 م ).

امّا حكّام قطر فليسوا أكثر من سماسرة  رهنوا مصير وطنهم  لتقلّبات الربح والخسارة في سوق النفط و الغاز العالمي ، حتى إن ارتباط النظام القطري  بجماعات الإسلام السياسي لم يكن نتاج تقارب فكري بين حكام قطر وهذه الجماعات بقدر ماهو استحقاق فرضه الارتباط العضوي بين هذه الجماعات وشركات الهيمنة العالمية العابرة للقارات التي تستخدم هذه الجماعات كرأس حربة للوصول غير المشروع لحقول النفط والغاز ، ولعل ما حدث ويحدث في ليبيا ونيجيريا وأماكن أخرى خير دليل ، فقد لعب النظام القطري دورا محوريا في تحريك جماعات الإسلام السياسي واذرعها الإرهابية في البلدان الغنيّة بالنفط والغاز بغرض تفكيك بنية الدولة الوطنية ليسهل لاحقا للشركات الإحتكارية وضع يدها على ثروات هذه البلدان .

حتما سيجد القطريون أنفسهم أمام كارثة كبرى اذا لم يكفّوا يد حكامهم العابثة .

أمّا اذا حلّت الكارثة  فسينسل بهدؤ كل الغرباء العقائديون الذين أثّروا  على القرار السيادي القطري ، سيبحثون عن ملاذ آمن آخر تختاره لهم قوى الهيمنة العالمية  .

أرى حالة قطريّة مشابهة للحالة الجنوبية تتخلق أمامنا :

 عزلة عن العمق الخليجي والعربي مقرونة بمكابرة وعناد وإصرار على الارتهان  لقوى من خارج الدائرة العروبية ، يتبعها فقدان السيطرة الكاملة على القرار الوطني الذي يصبح حينها مجرد نتيجة لتراكمات الأخطأ والخطايا السابقة .

لا أريد لأي شقيق قطري أن يذوق مرارة الشعور باليتم الوطني وفقدان العنوان الدال على الهويّة الوطنيّة كما هو حالنا معشر الجنوبيين .

لا أريد لأي شقيق قطري أن يخوض تجربة البحث عن ذات وطنيّة تآكلت في بازار الشعارات الجوفاء .

لا أريد لأي مثقف وطني قطري أن يرتد خائبا مثلي وهو يبحث عن وطنه في ذاكرة الأغراب الذين تحكّموا وحكموا "عدن "عقودا ويتحكّمون في "الدوحة "حاليا . لأنّه لن يجد لديهم إلّا حديثا منفوخا متعاليا عن ذكريات ومغامرات  كانت جميلة بالنسبة لهم وكارثية علينا .

ويبدو إنني محظوظا بعض الشي لأن  رواد مقهى (تاء مربوطة ) من اليساريين العرب في بيروت ، كان لديهم ما يحكونه لي عن ذكرياتهم الجميلة  في وطني الجنوب .

ولكني على يقين أن الحالة القطريّة مختلفة : فالسماسرة والارهابيون ولصوص النفط والغاز لا يهتمون كثيرا بالذكريات ..

                                               اللهم إنّي بلّغت