أبحثُ عن الطفولة..

في جدرانِ مَنزلنا

في سورٍ سَقطتُ منهُ عدةَ مرات

في حفرةٍ كنت خبأت بها ألعابي الصغيرة خشيةَ أن تلعب بها أختي!

أبحثُ عنها.. في ضحكة أمي

في صوت أبي

في رسائل اصدقائي الورقية..

 

لا شيء.. لا شيء هنا

 

أبحثُ عن اصدقائي في مدرستي في دفاترِ تحضيرِ الطلبة

هنا كانت اسمائهم

قبل أسمي وبعده

أين أسمي؟ أين أسمائهم؟

في سجلات الموتى؟

غير معقول.. رفاقي لا يموتون!

أبحثُ عن حروفنا التي حفرناها على شجرةِ الليمون.. لكن

 

لا شيء.. لا شيء هنا

 

أبحثُ عن كتابي الأول..

والنشيد الديني الأول الذي حفظتهُ: هيا هيا نحو المسجد.. ادخل ادخل صلِّ واعبد"

 

أتذكر جيدًا أينَ وضعتُ كتابه

هنا في هذهِ الغرفة في الحقيبة الزرقاء في الخانة الأولى..

أين الغرفة؟ أين الحقيبة؟

 

لا شيء..لا شيء هنا

 

أبحثُ عنِ الأمان..

في وسادتي

في وجهِ ذاكَ العسكري حين يقف في حارتنا

في سماعِ خطواتِ الجنود وهم يتدربون

في ظلّ سيارةِ الحاكم

أين وسادتي؟ أينَ الأمان؟

 

لا شيء.. لا شيء هنا

 

أبحث عن قطةِ منزلنا

لونها أبيض وأسود

عيناها كلون الحزن رماديٌ

كانت هنا أطعمها بقيةَ طعامي دونَ أن تتذمر

تجلسُ تنتظرني حتى أشبع

ثمَّ تقترب رويدًا رويدًا وكأنها تأخذ إذني

 تحبني أكثر من حاكمي

أثق بها أكثر من هذا الشتاء

أين أنتِ قطتي؟

هل أنتِ هنا؟

البيت يخلو من موائك

 

قطتي.. قطتي؟

 

لا شيء.. لا شيء هُنا

 

أبحثُ عن وطني..

وأنا ذاهبة للمدرسة

في نشيدٍ لا أحفظه قالوا إنه نشيد الوطن!

في علمٍ أضيفت له ألوانٌ أخرى

في حياةٍ خيلَ لي أنها موت

 

هذا ليس نشيدي.. ليس علمي ؟

أين وطني؟

 

لا شيء ..لا شيء هنا

 

أبحثُ عني..

تحت سريرِ أمي

 خلف بابِ جارتي

في كأسِ الحليب الذي ترغمني أمي على أن أشربهُ قبلَ النوم

أبحثُ عني بين أوراقي البيضاء والأخرى المكتظة بالكلمات ذو الخطِ الرديء

في البومِ صورٍ كانت صورتي في الصفحةِ الأولى

أبحثُ عني في أغنيةٍ فيروزية حفظتها في السادسة من عمري..

في ظلامِ الليل

في أعماق الوردة

ووجهِ أحدهم

 

أينَ أنا؟ أنا لستُ هنا؟

 

لا شيء  ..  لا شيء هنا!

 

هل وجدني أحد؟

.