في ديوان بلفقيه قصيدتان ترتكزان في صياغتهما على بيتين من التراث الشعبي الحضرمي الذي يخص الأشعار المنتمية إلى مجموعة من المهن التي كان الناس يمارسونها في القديم وتمثل جوهر حياتهم: مثل النجارة والزراعة وما يستتبع ذلك من أعمال متعلقة بها كالدياسة، والذلاحة، والتفخيط، والصّراب والحصاد والسناوة... تلك المهن التي تحدّث عنها وشرحها وفصّل ألحانها الوالد المؤرخ والأديب ربيّع عوض بن عبيد اللاه ( أبو جعفر) أطال الله عمره. هاتان القصيدتان هما: قصيدة (يا مروح بلادك)(١ )، وقصيدة: (تسلا يا قليبي).(٢)
أما الأولى فهي تستند على البيت:
يا مروّح حياك الليل والشّمس غابت
يوم نحنا طربنا والمناشير طابت
وفيه دلالة تطلب من الأخر أن يبقى ولا يذهب، وقد ذكر هذا البيت بهذه الكيفية في الرواية الوالد الأديب ربيّع عوض أبو جعفر، في محاضرة له في مدينة تريم عن ( المهن وعلاقتها بالألحان ) عام 2009، مشيرا إلى انتماء هذا البيت واللحن إلى مهنة النجارة قائلا: " هذا البيت للتأكيد يشلونه النّجر على المناشير أيام كانوا يشقون الحمر، وأعتقد أنه غناه بلفقيه، وطلّعه في أغنية ولكن أصلها هذا"( ٣)
غير أن العلامة الشيخ علي سالم بكير يروى الشطر الأول من البيت هكذا:
يا مروح دَنا بك ليل والشّمس غابت
وفيه دلالة مضادة للدلالة السابقة للبيت؛ فهو يطلب منه الذهاب وعدم البقاء، والمقارنة بين هذا البيت بهذه الرواية أو بالأخرى والبيت الموجود في قصيدة بلفقيه:
يا مروح بلادك ليل والشّمس غابت
عادنا الا انطربنا والتلاحين طابت
تكشف عن فعل تغيير فني قام به بلفقيه في البيت التراثي انتقل معه من الخصوصية المرتبطة بالأخوة والزمالة في المهنة إلى العمومية في الحب المرتبطة باللقاء والفراق، والسفر والعودة للأهل والبلاد جاعلا من قِصَر زمن الوصال دافعا للاستزادة منه كما يدل التعبير: (عادنا الا) وكما تدل مسافة السفر التي تمتد إلى بلد المحبوب ( يا مروح بلادك )، مبتدئة من بلد المحب التي وردت في قوله ( خلنا ننطرب بألحان جنة عدن). وفي سياق العمومية هذه جعل (التلاحين) بدلا من (المناشير)، وجعل ( انطربنا) بدلا من (طربنا) التي جاءت بصيغتين صرفيتين: صيغة الماضي ( انطربنا) وصيغة المضارع ( خلنا ننطرب) وكأنه يريد استنباتها من جديد في اللهجة العامية بهذه الصيغة المطاوَعة، صحيح أنها جاءت في البيت من فعل لازم (طرب) إلا أنه نقلها في القصيدة إلى فعل متعد ( أطربه - فانطرب)، مثل أزعجه فانزعج، وعلمته فتعلم.( ٤) أما القصيدة الثانية في الديوان التي ترتكز صياغتها على بيت تراثي فهي القصيدة: ( تسلا يا قليبي ) وهذا البيت هو:
تسلا يا قليبي شف الدنيا مخلاه
وكم من مال يمسي لمولى غير مولاه
وهو بيت لم يحصل له تغيير حين تم نقله إلى القصيدة، كما حصل للبيت السابق، وإنما تم نقله كما هو كاملا للقصيدة من دون تغيير. وفي العلاقة الفنية لهذا البيت بالقصيدة، يمكن الإشارة إلى أننا نستند في التحليل إلى مرجعيتين:
الأولى: اللغة العربية باعتبارها بنية عميقة تعود إلى قواعدها في المفردة والتركيب والدلالة صياغاتُ القصيدة وإشاراتها المختلفة باعتبارها بنية سطحية تتجلى صورتها بالاستناد إلى تلك البنية.
والثانية: رؤية التناص التي تعاين العلاقة بين نص ونص وترى كيفية تحول النص الجديد في علاقته بالنص السابق له إلى نص متميز بالإبداع والجمال .وعليه يمكن القول إن شكل علاقة التناص الفنية بين البيت التراثي هذا وقصيدة بلفقيه هي علاقة ( النواة بالشجرة) فالبيت نواة صغيرة واحدة، لكنها ذات إمكانات قابلة لأن تكون شجرة، تهتز في تربة الوعي الشعبي، تنمو وتطول، وتنبت براعمها أغصانا وأوراقا خضراء ما تلبث أن تكتسي بالثمار اللذيذة واليانعة.

يبدأ البيت - النواة بالفعل ( تسلا ) وهو فعل يعود في دلالته إلى الرغبة في نسيان الهم وانكشافه، وهو فعل مقرون بالهم والحزن، والسلوان دواء يسقاه الحزين فيسلو، كما جاء في لسان العرب،(٥) وهذا الهم كان مكتنًّا في فعل ( السلو ) في البيت، نجده يخرج في القصيدة ويكون واضحا في قوله: ( تسلا يا قليبي وشيل الهم عنك)، كما نجد تحولا للسلو في تعبير ( ساعة البسط )، وتحولا للهم في ( الآه) في القصيدة في قوله: (بساعة بسط تسوى حياتك كلها آه) وهذا يعني أن السلا، والهم، كانا برعمين مكتنّين في البيت وهاهما يخرجان الآن غصنين في القصيدة، ما يعني تفوق ساعة السلا على الحياة المملوءة بالألم والآه، كما تكشف المفاضلة في كلمة ( تسوى)؛ أي تعدل وترجح بكفة طرف السلا على طرف الآه والألم.
3
يمكننا القول إن (الهم) لم يظهر في البيت الأول وإن كان مكتنًّا فيه، وهذا يعود إلى أنه موجود في (القلب)؛ لذلك ظهر القلب في البيت مصغرا ( يا قليبي) وهو تصغير يستدعي كثيرا من العطف والشفقة وهو الأمر الذي اشتغلت عليه القصيدة بكثير من الأفعال التي حفزت هذا القليب على إخراج الهم منه باتجاه الفرح والتمتع بالحياة حتى وصل في نهاية القصيدة إلى التخلص من الهم والاقتناع بالتمتع بلحظة البسط السعيدة، حتى صار الخطاب له مكبّرا ( ويا قلبي تمتع ) هكذا يبدو القلب بين (التصغير) في البيت والامتلاء بالهم، و(التكبير) والامتلاء بالفرح في القصيدة.

4
الفعل ( تسلّا) يحمل إلى القلب طلبا بالتسلي لكنه يتجاوز معنى الإرشاد البسيط إلى محاولة الإقناع؛ لأنه يكشف له طبيعة الدنيا في سمة التخلي والترك لكل ما فيها، ويضرب له مثلا بالمال الذي يتعب الإنسان في جمعه لكنه لا يستطيع امتلاكه والاحتفاظ به لنفسه، فهو لا بد أن ينتقل منه وهو صاحبه إلى غيره الذي لم يتعب فيه ولم يكن صاحبه، امتد هذا الفعل ( تسلا ) كما هو من البيت إلى القصيدة مكررا، لكنه ينمو ويتناسل في أفعال طلبية أخرى جديدة تتجاوز النصح إلى ( التكرار)، (التحفيز)، و(الإصرار) على (الإقناع)، و(الإلحاح) على القلب في انتزاع الهم منه، وإبداله ( بالحب)، ورسم (خطة) بالتعامل مع الآخرين بالمحبة والإخلاص في أفعال طلبية جديدة حتى يصبح الحب منهجا يرتفع إلى درجة الاحتراف والتفنن فيه: و(خل الحب فنك) هكذا : ( تسلا/ شيل/ خلّ/ حب/ صن/ بادر/ ) إلى الدرجة التي تصل فيها العلاقة بين الطرفين إلى مرحلة (التعجب) والاندهاش وهي المرحلة التي يصبح الحب فيها ثمرة يتذوقها المحب والمحبوب: في هذا البيت الذي يجمع بين لحظة التعجب والاندهاش في الصيغة المقرونة بالنداء:( ويا ما احلا الأحبة) والتذوق للثمرة: ( إذا ذاقوا المحبة) وهي المرحلة التي تصبح عندها النواة شجرة كاملة في القصيدة تمتلئ بالثمار ، وحينها يتخلى ( القُليب) الممتلئ (بالهم) عن همه فيقتنع ويمتلئ (بالمحبة) حتى يبدو في المقطع الأخير( قلبا) مكبرا كبيرا بالحب كما يقول: (ويا قلبي تمتع وخذ وقتك وإقنع).
5
يمكننا الحديث عن الزمن الذي بدا موجودا في (البيت - النواه) في كلمة ( يمسي ) وهي تكشف لنا عن مآل (المال) إلى مَن لم يكن صاحبه، لكنّ هذا الفعل (يمسي) الذي يكشف عن وصول المال إلى النصف الثاني من اليوم وهو (المساء ) لا شك أنه يضمر أن المال في (الصباح) كان عند صاحبه ومولاه، وفي أتون هذه الحركة والسيرورة للزمن من (صباح) إلى (مساء) والتي تمثل حركة اليوم أو الأيام ممثلة سمة التخلي في الدنيا وفناء الزمن ، نجد الانتقالة والتحول من ذهاب( المال) إلى فناء ( العمر) وهي عملية تحول عميقة تجعل الوعي يعتقد أن المال الحقيقي للإنسان هو عمره الثمين الذي ينبغي عليه أن يتمتع به ولا يضيعه في جمع المال! وتتسع حركة الزمن متحولة من البيت في (الصباح والمساء) اللذين يمثلان وجه (اليوم)، إلى (الأيام والشهور) في القصيدة التي تمثل حركة فناء العمر وذهابه: ( العمر يا ناس فاني ما حد معه عمر ثاني أيام وشهور)، كما أن هناك تحولا أيضا في الصيغة من التكثير( وكم من مال يمسي ..) إلى الحال: ( أيام وشهور).
6
حين تتحقق المحبة وتصبح قناعة ومنهج حياة، فإن القصيدة تبلغ هنا قمة وعيها الشعري، وتوصل إلى الآخرين هذه القيمة، وهنا لا يوجد بعد (الحب) إلا (النور) بوصفه وعيا راقيا، وتمثيلا شعريا ومعرفيا لهذه القيمة وانتشارها بين الناس، ويمكن رؤية القيم السابقة في ضوئها وهكذا... فالهم ظلام والفرح نور، والحزن ظلام والسرور نور، والكره ظلام والحب نور... ، وهو أمر واضح يتحول فيه الظلام ممثلا في ( الليلة) إلى نور: ( يا ليلة النور) ويتأكد بالفعلين الطلبيين المتجاورين في الدلالة لتكثير النور وانتشاره: (هلّي) و ( طلّي )، هكذا إذن تتحول قيمة (المحبة) بوصفها منهجا في التعامل مع الآخرين إلى (نور) ينتشر ويملأ القلوب وهنا تبلغ رسالة القصيدة منتهاها فإذا كانت (المحبة ) ثمرة القلوب فإن (النور ) ثمرة العقول التي تفكر وتنشر المحبة والسلام بين الناس جميعا.
7
ينتمي البيت النواة إلى لون من ألوان ألحان المهن الشعبية، المسمى بالرزيح أو المرزحة، وهو بيت إذا نظرنا إليه من زاوية العروض العربي فإنه يتنزل في وزن مقلوب الطويل ( المستطيل) : ( مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن ) ويتميّز في لحنه بالسرعة، وعلى الرغم من أن القصيدة اعتمدت الإيقاع نفسه في المقطعين الأول والثاني، إلا أنها قد نقلته من (التسريع) إلى (التبطئة)؛ تبطئة في الإيقاع باعتبار الأداء شطرا شطرا، وتبطئة في اللحن كذلك، وهذه التبطئة، تناسب ما تفعله القصيدة من أحداث مختلفة من تحفيز وتكرير وإقناع ...لنقل المخاطب من الهم إلى الفرح.
ويمكن ملاحظة سمة إيقاعية أخرى وهي (التنويع) فمقطع النور لم يأت على الإيقاع واللحن السابقين إنما جاء على إيقاع آخر: هو عروضيا ( مستفعلن فاعلاتن)، ولحنيا كذلك يبدو مختلفا، لكنه في الحالتين معا مناسب جدا لكمال قيمة النور وانتشارها بين الناس.

8
هكذا استطاع بلفقيه أن يستخرج من هذا البيت النواة، كل الإمكانات المكتنّة فيه، مطورا إياه لحنا وإيقاعا وتركيبا ومفردات في هذه القصيدة.
أخيرا، حريٌّ بفنانينا اليوم أن يقتدوا بهذا المنهج فتراثنا الغنائي مليء بالأفكار والألحان المتنوعة، تلك التي طالما تحدث عنها أديبنا الشيخ أبو جعفر ربيّع عوض بن عبيد اللاه مثل ألحان : السناوة، والصراب، والحصاد، والرعة، والمفاضاة، والبقراه، والراية، والدياسة، والذلاحة، والتفخيط، والتفييش، والسباطة، فهو نهج وطريق أصيلة للتميز الفني والإبداع في صلته العميقة بالتراث.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الثلاثاء: 6/5/ 1439 ، 23/1/2018

الهوامش :
(١) شاعر قبل الطرب : 52 .
( ٢ ) المصدر السابق: 58 .
( ٣ ) من شريط مسجل لمحاضرة له عن ألحان المهن في تريم 2009 .
( ٤ ) ينظر: شرح الشافية، تحقيق محمد نور الحسن وآخرين، ج1، 103 ، طبعة 1982 ، دار الكتب العلمية بيروت. 
( ٥) ينظر لسان العرب مادة: سلا .