قال الكاتب الحضرمي أحمد فرقز بعد حضوره ندوة باهتة أقامتها وزارة الثقافة والسلطة المحلّية في وادي حضرموت بمناسبة اربعينية العملاق ( بلفقيه ) :

كان  ( بلفقيه ) فعلا الغائب الكبير في الندوة الا من صورة جميلة تظلل المنصة .. الجميع كانوا في القاعة المظلمة يبحثون عن انفسهم في ( بلفقيه ) وكانت نرجسيتهم ( بداعة ) في تصوير انهم عين الحدث .. 

 

                                                             ( النص ) 

غضب مدير الثقافة من اطالة المايسترو ( جابر علي احمد ) لمداخلته الهاتفية في ندوة ( بلفقيه ) فسارع الى تذكيره بأدب قليل ان المتبقي له خمس دقايق .. ثم خرج على الحضور منتشيا بانه حسم رتابة الحالة واعاد لحيوية ندوته الميتة الحياة .. جابر مثقف وناقد ومايسترو لا يشق له غبار ، ومدير الثقافة لا كنية او لمسة او تاريخ ثقافيا له ..

هذا انعكاس جلي لواقع تعاملاتنا مع المسئوليات في جميع اوجه الحياة .. حيث نلقي بالتراكمات المرجعية خلف رؤوسنا وندفع بانفسنا ( القليلة جدا ) الى الواجهة .. فلا انفسنا كفيلة بملء الفراغ .. ولا الواجهة شرفت بها ..

كان ( بلفقيه ) فعلا الغائب الكبير في الندوة الا من صورة جميلة تظلل المنصة .. الجميع كانوا في القاعة المظلمة يبحثون عن انفسهم في ( بلفقيه ) وكانت نرجسيتهم ( بداعة ) في تصوير انهم عين الحدث ، وان بلفقيه تكملة اللمة وبدونهم لم يكن له مؤبن ولا عرف بموته احد خلاف الملائكة و .. هم. كانوا يصورونه كما يصور الفوتوغرافي بورتريه كبير لأرشفة مناسبة تكون لائقة كخلفية ترتص امامها تداعيات الحالة ، وتضيع في بروزها التفاصيل ، والشاخص منها للعين رتوش اصلاح العيوب .. فحسب !.

كانت التماعة الانتصار تبرق في عيون مدير الثقافة عندما تيقن بانه اختصر مسافة الغرق في اشكاليات الوصف والرؤى المترتبة عن غياب بلفقيه .. ووفر على نفسه ضيق متابعة كلام لا يعنيه ، الا ما فرضت عليه صفته ان يكون ( ثقافيا ) عنوة .. كانت القاعة كئيبة بقلة الحاضرين ، وبالرسميات المملة التي ما حفظت لاحد وجاهة .. بينما يتناوب على الدخول والخروج موظفو الثقافة والصحفيون الذين ترتج الارضون من كثرتهم وملاحقتهم اللحوحة لتصوير المصوّر وغير المصور. الجميع كانوا حاضرين .. ولكن الحاضر يظل يفتش عن بلفقيه .. فلا يجد !.

تكرم الناقد الموسيقي ( طارق با حشوان ) بالانابة عن الثقافة والموسيقى والتاريخ والانسان ( والجمهورية ) باضاءة باذخة على بلفقيه القدرة الصوتية واللحنية والادائية .. وفند ( باجتهاد قتله الاختصار الماحق لمداخلته ) فرادة بلفقيه وقدراته في اداء الاغاني وتوزيعها قفزا على كل نظريات المقامات وحداثية الموسيقى وآليات التوزيع والمنتجة .. وقدم نماذج موسيقية من اغاني بلفقيه جعلت القاعة مشدوهة بكثافة الحضور الفني لتجربة بلفقيه كأنموذج لا يضاهى .. ولولا مداخلة ( طارق ) لما كان للندوة اسما في الذاكرة ..

كنت سأقترح - لو قدر لي - على لجنة التأبين ان يكون التابين من جنس الفقيد وارثه .. فلا يكون الكلام في التابين الا موشحا من روح بلفقيه ، او رؤيا موسيقية جديدة لظاهرة بلفقيه ، او سباقا في اكتشاف بلفقيه اخر بين الجيل الجديد ، او كورال حديث يغني بلفقيه كما اراد ان يكون اضافة حداثية لتراث فني يتجاوز اولئك الذين تمظهروا على تأبينيته .. استسمح الكلام ان يرد عني ما قد اكون قد اخطات على اساتذة كان لي الشرف ان استمعت لاطروحاتهم الرائعة .. ولكنني كنت ابحث في المعمعة عن شخص المحتفى به .. فلم اجده فيهم !. كانت ندوة ( قليلة ) على بلفقيه .. لم يشفع لهذه القامة ( الممتدة على الخرائط والحدود والأمة ) ان تكون الادارة المثقفة اكثر اهتماما باظهار مكانة ( بلفقيه ) قدر المساحة التي تغطيها .. بل كان همها ان تظهر نفسها قبل الاحتفاء بفقدان هذه القامة .. ولكن بلفقيه لم يكن محتاجا لهم ، كان كبيرا فوق اعتبارات المناصب ووجاهات ( كل شي ) الكذابة !.