*أمير تاج السر

أعلنت نهاية الأسبوع الماضي، القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، المعروفة باسم جائزة البوكرز، والتي أصبحت من القدم والعراقة بحيث يعرفها الجميع الآن، حتى لو لم يكونوا كتابا أو على علاقة ما، بالهم الثقافي، وكانت الدورة الماضية، أي دورة 2017، بمثابة احتفال مهيب بمرور عشر سنوات على تأسيس الجائزة، أو لنقل تثبيتها في الوطن العربي، ليفوز الروائي المصري بهاء طاهر بأول دورة منها، تلتها دورات ناجحة، وأخرى عانت من بعض الإخفاق.

لقد تحدثنا عن جائزة البوكرز كثيرا، وشخصيا تحدثت عن حسناتها المتعددة، التي تتجاوز العيوب بلا شك، تلك العيوب التي ليس للجائزة دخل فيها على الإطلاق. هي في النهاية جائزة مرموقة أطلقت كدعم للآداب، وتحولت في زمن قياسي إلى حلم عند البعض، وتحول الحلم إلى كم مرعب من الأعمال الروائية، يصدر كل عام، بعضها من روائيين مقدرين بالطبع، وبعضها من موهوبين ناشئين، ربما يتقدمون بأعمالهم لأول مرة، ويأتي بعد ذلك ما يكتبه الحالمون بلا دراية، ولا ثقافة ولا أي معطيات تصلح لتحويل الحلم إلى حقيقة.

ميزة جائزة البوكرز الرئيسة، هي أنها لا تتعاطى مع الكاتب أو تاريخه، أو ما قدم وما سيقدم مستقبلا، ولكن تتعامل مع نص يقدم لها ويقرأ ويقيّم، ليرى المحكمون حسب رأيهم إن كان يصلح لقوائمها أم لا؟ وفي هذا السياق قد تجد نصا لكاتب قديم، وراسخ في الإبداع، لم يستوف الشروط، بينما استوفاها نص جديد لكاتب لم يسمع به أحد من قبل، هنا سنجد غضبا كثيرا واحتجاجا، وصراخا، ولكن لا يجدي أي شيء أمام قائمة لا تستند إلى أي شيء خلاف النص المقدم.

ولعل قائمة هذا العام، تشهد فعلا بما ذكرته عن سطوة النص وحده، فقد ظهر فيها ثمانية كتاب من الجيل الجديد، جنبا إلى جنب مع كتاب مخضرمين. وقطعا رأت لجنة التحكيم أهليتهم للوجود في القائمة، وربما في القائمة الأصغر، ولا يستبعد فوز أي أحد موجود في القائمة، كبيرا كان أم صغيرا.

إنها أبجديات جائزة البوكرز، الأبجديات نفسها التي ترتديها جائزة مان بوكرز البريطانية، التي ترعى البوكرز العربية، وكثيرا ما شاهدنا عباقرة في الكتابة لم تصمد نصوصهم أمام مبتدئين يتقدمون بروايات أولى للمسابقة، وفي ذهني الهندي أرافيندا أديقا، الذي حصل على الجائزة منذ سنوات عن روايته «النمر الأبيض»، التي كانت عملا ملحميا شيقا عن الهند، وكانت رواية أولى للكاتب، والهندية أيضا أراندوتي روي عن روايتها «إله الأشياء الصغيرة»، الرواية الأولى التي كتبتها، ونالت عنها البوكرز وصمتت لأكثر من عشر سنوات، قبل أن تكتب رواية أخرى صدرت مؤخرا. وكذا يوجد آخرون منهم كاتب كندي كما أذكر، حصل على الجائزة عن رواية أولى.

تساؤل آخر يطرح في كل مرة تعلن فيها قائمة البوكرز الطويلة، عن غياب بلد معين من القائمة، وتجد من يتساءل: أين رواية هذا البلد؟ وهل هي أقل شأنا من تلك الروايات التي ضمتها القائمة؟

إنه سؤال خارج ثقافة البوكرز، وبعيد عن قواعدها، كما أعتقد، وكما أشار المسؤولون إليها مرارا، فالأمر ليس خاصا ببلد معين أو بلاد معينة، وإنما خاص بالرواية المكتوبة باللغة العربية، حتى لو كتبت في الهند أو الصين أو إندونيسيا. لا أحد ينظر إلى الهوية خارج النص المكتوب، ولن يكون غريبا أبدا أن تضم القائمة أكثر من عشر روايات من بلد واحد، إن رأت لجنة التحكيم ذلك، ويمكن أن لا يدخل بلد كبير، وممتلئ بالمواهب، بأي نص، إن رأت لجان التحكيم عدم استيفاء المتقدمين لشروط الترشيح للجائزة. وأظن أن معظم من بشتغلون بالثقافة يعرفون هذا الأمر، وعلى الرغم من ذلك، يقفز التساؤل إلى ألسنتهم أو أقلامهم بمجرد أن تعلن القائمة الطويلة، في كل عام.

لقد سميت وقت إعلان قائمة البوكرز الطويلة، بموسم القراءة، أي الموسم الذي يسعى فيه بعض القراء غير المداومين على فعل القراءة، إلى اقتناء ما ورد ذكره في قائمة البوكرز، وقراءته وتقييمه من وجهة نظرهم وكتابة ذلك التقييم في مواقع القراءة المختلفة.

بالطبع ليس كل ما يكتبه القراء، أو يرشحونه أو حتى لا يرشحونه للقراءة، يمكن أن يتبع، هي آراء يكتبها البعض ولا أجدها ملزمة لأحد، وحتى أولئك القراء المتمرسين الذي يكتبون مراجعات جيدة، لن تؤخذ مراجعاتهم أكثر من كونها آراء قد تصدق وقد تخيب. وما زلت أذكر ما كتب عن رواية أعتبرها ملحمة عظيمة، من كلام مثبط وعدائي، وتقييم غاية في التدني، لتفوز تلك الرواية بالجائزة، ما اعتبرته شخصيا كقارئ أولا وككاتب ثانيا، فوزا مستحقا.

الرواية تجرية بكل تأكيد والرواية التي تحفل ببهارات جديدة، وتقنيات غير مألوفة، قد يرفضها الكلاسيكيون الذبن تعودو ا أنماطا معينة للكتابة، لكن تبقى في رأيي هي الأجدر بابداء شيء من الاحترام لها.


أنا ايضا عملت في لجان تحكيم بعض الجوائز، وواجهتني مشاكل عديدة كنت أراها في نصوص تبدو براقة للوهلة الأولى، وأخرى تبدو معتمة وفي داخلها إضاءات ما، لم يستطع الكاتب إبرازها، لكن دائما في النهاية يتوصل القارئ المحكم إلى حل، يراه عادلا لأي معضلة، وبحسب خبرته طبعا.

أريد أن أهنئ زملائي الكتاب بدخول موسم القراءة الواسع، خاصة الشباب الذين زارتهم القائمة الطويلة هذا العام، هنا ثمة تحفيز للبحث عن تلك الكتب وإدراجها في جدول القراءة.

أخيرا، أود أن أقول إن هناك قراء موجويون طوال العام ويتزودون من التموين الكتابي، من معارض الكتب التي يقصدونها في بلادهم والبلدان المجاورة، ولطالما أعجبت بشباب خليجيين، كنت أشاهدهم في كل معارض الكتب التي أزورها للاشتراك في ندوة أو أمسية، ودائما محملين بالكتب، وقد أصبح بعضهم كتابا استفادوا بلا شك مما زرعوه في أذهانهم من معرفة.

__________
*القدس العربي