تفشت في الآونة الأخيرة في محافظة حضرموت ظاهرة " الزواج السياحي " نتيجة إقدام بعض السياح من دول خليجية على الزواج من فتيات بحضرموت لفترة وجيزة وبنية مسبقة ظاهرة وغالباً باطنة للطلاق عقب مغادرتهم البلاد , أو أخذ الفتاة معه لينتهي بها الأمر في بلاد غربة لتُرمى في الشارع أو يتم معاملتها بشكل سيء من قبل الشخص المتزوج بها , ولعلّ الزواج من قبل العمانيين للفتيات بحضرموت هو الظاهرة الأكثر انتشاراً هذه الفترة بين أوساط بعض أسر المجتمع الحضرمي التي يعاني بعضها من الفقر وبعضها برغبة من قبل الفتاة للهروب من الوضع المزري الذي تمر به البلاد والسفر خارجاً مهما كانت العواقب التي ستمر بها وخيمه .

 

( عقدة نفسية واحساس زائف ! )

ويرى البروفسور خالد بلخشر أستاذ الأدب الانجليزي بجامعة حضرموت أن الأسباب لهذه الظاهرة تتمحور جميعها حول الجهل والحاجة , مضيفاً أن هناك عقدة نفسية تكمن في الاحساس بالدونية تجاه القادم من خارج الحدود الذي تكون هيئة واسلوبه مختلفين , فيتولد احساس زائف بأنه المنقذ للفتاة والأسرة ككلّ , وأحياناً تكون الخلافات والمشكلات الاسرية تدفع بالأبوين للتخلص من ابنتهم ظناً منهم بأن هذا هو الحل في مواجهة العنوسة أو مخاوف أخرى غير مبررة اطلاقاً , وهذا جهل بالواجبات الدينية والاخلاقية تجاه هذه البنت المغلوب على أمرها في أكثر الأحيان .

وأشار " بلخشر " أن هذا الأمر يتسبب في مشكلات مستقبلية كثيرة للأسرة , حيث تتولد عقدة لدى الأبوين أو ولي الأمر عندما تنكشف له الحقائق حول معاناة الفتاة التي تم الزج بها في حياة لا توفر الحد الأدنى من متطلبات أدميتها , ولعلّ الحل يكمن في تيسير الزواج أمام الشباب من المجتمع المحلي المحيط , ونشر الوعي المجتمعي بمخاطر وانعكاسات هذه الظاهرة , وايجاد مصادر دخل للأسر الفقيرة تقيها الحاجة للتضحية ببناتهم من أجل حفنة من الدراهم .

 

( من الشمال إلى الجنوب إلى حضرموت ! )

ويرى بعض الناشطين على برامج التواصل الاجتماعي أن مثل هذه الظواهر هي دخليه على حضرموت بشكل خاص ومحافظات الجنوب بشكل عام و إن كانت فإنها لم تكن بهذه النسبة العالية .

 حيث يرى بعض المختصين الاجتماعيين في حضرموت أن هذه الظواهر كزواج القاصرات , والزواج السياحي كان يمارس في محافظات الشمال بشكل كبير وعلني وواضح , وأن أغلب الأسباب في ممارسة مثل هذه الظواهر يعود للوضع المزري الذي تمرُّ به البلاد وهو ليس دافع لتبرير مثل هذه الممارسات الدخيلة على المجتمع الحضرمي وتفكيك نسيجه وعاداته وتقاليده المتعارفة عليها منذُ القِدم .

 

 

( بضاعة عُرضت للبيع !! )

أما الإعلامية " عالية الكهلاني " مدير العلاقات العامة بمؤسسة حضرموت للتنمية القانونية , وصفت الظاهرة بأنها ليست زواج بل هي بضاعة عرضت للبيع , حيثُ قالت : أتعجب عندما أرى أب يزف أبنته لرجل أكبر منه ربما يكون في عُمِر جدها , وأحياناً اخرى لربما الجد يكون أصغر من زوج حفيدته , وأضعُ كلامي هنا من واقع تجارب رأيتُها وعاصرتُها من قصص زواج "العمانيين" بفتيات تربطني علاقة معرفة بهن سواء كانت جارتي أو زميلة دراسة وأحياناً صديقة , وجميعهن انتهت قصه زواجهن بالطلاق أو الترمل , وليس هناك أي مبرر مقنع يجعل الأسر تزوج بناتهم بمثل هذه الزيجة خصوصاً أن المهور بين الـ700 ألف إلى الـ مليون , فالمبلغ هذا ولو تضاعف لا يجعلنا نبيع فلذات أكبادنا , هذا أن آمنا أن الأسرة بحاجة للمال وخصوصاً أن المبلغ بأكمله يصرف في تكاليف الزواج , بل تضيف بعض الأسر ضعفه المهر في تجهيزات العرس .

وأضافت " الكهلاني " : أنني أذكرُ نقاش لي مع طالبة عمانية أتت إلى حضرموت من أجل الدراسة , فسألتُها " لماذا تزوجوا أجدادكم وآبائكم لفتيات صغيرات , آلا يشكل ذلك لكم حرجاً لكم أمام الآخرين ؟ " , فأجابت أن تكاليف الزواج لا تزيد عن ألفين ريال عماني ولكنها سوف تخدمه لفترة دون خوف , فبعكس الخادمة فهي تطلب راتب شهري وتأمينات وأمور مالية تخص المكتب الذي يوفرها , ورغم كلَّ ما قالته إلا إنني لم أتعجب بقدر عجبي بزميلتي التي كانت تحضرنا وتزوجت بوقتٍ لاحق من رجل عماني ! .

وأشارت " الكهلاني " بأنه من ناحية أخرى لربما بعض الفتيات تعاني من التهميش من قبل أسرتها , وتسلط من قبل أخيها أو والدها , يجعلها تجد أن الملجأ هو في هذا الزواج , فيجب أولاً اصلاح الأسرة لأنه بكلِّ بساطة أن تقوم الأسرة برمي ابنتها بهذه الهاوية بهذا يدل على وجود خلل فيها , ويجب اصلاحها من خلال المحاضرات التوعوية في المقاهي الشعبية وحلقات التحفيظ , وخطب الجمعة في المساجد وغيرها , ناهيك عن دور السلطة المحلية التي يجب عليها أن تتدخل وتفرض قوانين صرامة في زواج الأجانب وعدم التسهيل بالشكل الأكثر من سهل حالياً الذي أدى إلى تدمير وتفكيك مجتمعنا الأصيل والمتماسك آنذاك .

 

( دراسات وأبحاث واحصائيات..)

وفي دراسة سابقة أعدها الدكتور "فؤاد حمود الشبامي" إلى أن نسبة عالية من الفتيات المتزوجات هن في الفئة العمرية 20-24 تليها الفئة العمرية 15-19.

وأشارت الدراسة إلى أن غالبية فتيات الزواج السياحي من ذوات التعليم الثانوي بنسبة 30% تلتها ذوات الشهادة الابتدائية بنسبة 22.5% وحلت في المرتبة الثالثة ذوات الشهادة الإعدادية بنسبة 17.5% فيما جاءت الجامعيات في المرتبة الرابعة بنسبة 12.5% وحلت خامسا بنسبة 7.5% من يجدن القراءة، وأخيرا تساوت نسبة الفتيات اللواتي يحملن شهادات الدبلوم مع مثيلاتهن الأميات بنسبة 5%.

وقالت الدراسة إن الأزواج السياح ينتمون لفئتين أولاهما فئة المتقدمين في العمر والفارين من جحيم الزوجات اللواتي قد يمارسن نوعا من السيطرة على أزواجهن ضعيفي الشخصية وكثيري الانشغال بالأعمال المالية.

كما أن ظروف اقترانهم بهذه الزوجات غالبا ما تحكمها العادات القبلية البعيدة عن الاحترام المفترض للمشاعر العاطفية، فأراد هؤلاء التخلص من هذا الجو المشحون والتعويض عن كبر سن زوجاتهم ومشكلات الزواج الثاني لهم في بلدانهم.

أما الفئة الثانية فتضم أولئك الشباب الذين شكلت نشاطاتهم الجسدية والذهنية عدة عوامل في مقدمتها الضغط الأسري وأحيانا التفكك الأسري والوفرة المادية وتدني المستوى الفكري والثقافي الذي شكلته وسائل الإعلام في بلدانهم ووسائط التقنية التي سخرت لغير الأغراض الإنسانية.

 

وقال الدكتور الشامي في دراسته إن "هؤلاء جميعا يرون في الفتيات فرائس سهلة وإن كان مقصدهم جميعا النيل من الشابات فإنهم قد اختلفوا في الطريقة فكان 38% منهم يفضلون الشابات العاملات في سن العشرينيات كونهن كاملات النضوج.. وفي غمرة تفكيرهن بفرسان أحلامهن، فضلا عن حاجتهن الاقتصادية".

فيما أولئك الذين شكلوا أزواجا بنسبة 35% فقد كانوا مفتونين بالصغيرات اللواتي يسهل عليهم تطويعهن وإغرائهن فضلا عن ما يعتري فترة مراهقتهن من رغبة، لذلك فإن هؤلاء الأزواج يشعرون بالانتصار وتحقيق فحولتهم التي حرموا منها.

 

( تخلف في الوعي ! )

" الأمر الذي يجعل ولي أمر فتاة بتزويجها بهذه الطريقة هو تخلف في الوعي لدى شرائح واسعة من المجتمع " , هكذا وصف الموضوع الطالب بكلية الإعلام جامعة حضرموت حمزة عوض بامحفوظ , مضيفاً أنا لا أريد أن أبرر مايحدث بالظروف المعيشية الصعبة , فالحاجة لا تدفع إنسان واعي أن يرمي بفلذة كبده ويتخلى عنها بهذه الطريقة مهما بلغت به الفاقة .

حيثُ يؤكد " حمزة " أن هذه الظاهرة تؤثر بشكل كبير على نسيج المجتمع من خلال زيادة طلاق هذا النوع من الزواج وفق احصائيات واقعية نعيش معها في مجتمعنا ولا تحتاج إلى أرقام لندرك حجم الخطر , ناهيك عن ما يخلفه هذا الزواج من أضرار نفسيه على هؤلاء الفتيات وأبناءهن في حالة الإنجاب , ونحن في حاجة ماسة إلى الدور الرسمي للسلطة اتجاه هذه الظاهرة بالمراجعة القانونية لهذا الزواج واتخاذ الاجراءات اللازمة والجزاءات الرادعة .

 

( عقوبات صارمة وتدخلات عاجلة )

ولعلّنا من خلال جملة من الأراء والاستطلاعات يمكننا أن نقول أن السبب الرئيسي لهذه الظاهرة هو " الفقر " ، حيثُ أن جميع الحلول تصبو في مطالبة الأجهزة الحكومية بتبني مشاريع كبيرة للتخفيف من البطالة وتوفير فرص عمل واسعة للناس وللحياة الكريمة، وأهمية دور التوعية بمخاطر هذا الزواج , بالرغم أن التوعية لن تعطي للناس وجبة غداء ولكنها ستخلق مجتمع سليم فكرياً و ناضج  .