قال الدكتور أحمد باحارثة  إن ديننة العادات  ( وهو خلط العادات بالدين و تكييف الدين بطبائع العادات الموروثة ) أصابت مجتمعنا بالجمود والعصبية وهو داء عظيم يبدأ من الغفلة بحقيقة الدين الذي ينبغي أن يكون ثابتا لا يتغيّر ، والغفلة عن حقيقة العادة التي هي مجرّد سلوك عابر في حياة المجتمع قابلة لكل أشكال التغيير والتجديد، بل الترك الكامل لها .

واشّر الباحث با حارثة إلى مسألة جوهريّة وهي إن ديننة العادات تمحورت غالبا في المجنمع اليمني والسعودي حول الحلقة الأضعف في الجنس البشري أي المرأة ، سواء ما يتعلق بلباسها وزينتها أو بسلوكها وأفعالها ولاسيما خارج بيتها ووسط مجتمعها، ومن هنا ينشغل المجتمع بجدليات صغيرة في أساسها كبيرة في مترتباتها، ومن ذلك جدلية البرقع والنقاب كلباس، وجدلية سياقة السيارة أو ركوب الدراجة النارية من قبل المرأة كسلوك .

 

وأوضح الدكتورباحارثة  الذي يشغل منصب إدارة مكتب التراث بمحافظة حضرموت إن رجال الدين أو العلم الديني في السعودية قد تشدّدوا في مسألة النقاب ، لا لشيء سوى الخضوع لمجتمع تشدد اجتماعيًا وليس دينيا نحو المرأة فأعطى علماؤهم لهم صبغة دينية قداسية لذلك التشدد، وحولوا العادة البشرية إلى مسألة شرعية، وكان ضحيتها المرأة كجنس بشري، والمجتمع ككيان قائم على التفاعل والتحول، والتصقت بذلك التشدد الدول المجاورة جغرافيًا للسعودية الثرية، بل تجاوزها لبلاد عربية نسيت النقاب كمصر وتونس فضلا عن تسلله لبلدان الآخرين غير العربي ولا المسلم، حتى صار محط جدل عالمي في كيفية مواجهته أو التعامل معه.

 

                                                                نص المقال

                                                               ديننة العادات

   الدين واحد، والعادات متعددة في مجتمعات مختلفة وإن جمعتها قومية واحدة أو فرقتها بيئات شتى وثقافات متنوعة، لكنز تبقى العادة سلوكًا إنسانيا قابل للتغيير والتكييف بحسب تغاير الظروف وتعاقب الأزمنة، لكن ماذا لو خلطت العادات بالدين وجرى تكييف الدين بطبائع العادات الموروثة في مجتمع من المجتمعات، هنا يحل بالمجتمع داء عظيم يصيبه بالجمود والعصبية، لكنه يبدأ من الغفلة أو الجهالة بحقيقة دينه الذي ينبغي أن يكون في أصوله ثابت لا يتغير كثبات القيم الإنسانية والفطرية العليا كالصدق والعدل والإخاء، والغفلة عن حقيقة العادة التي هي مجرد سلوك عابر في حياة المجتمع قابلة لكل أشكال التغيير والتجديد بل الترك الكامل لها.

   وغالبًا ما تتمحور مسألة ديننة العادات أي الدمج بين العادة والدين حول الحلقة الأضعف في الجنس البشري أي المرأة، سواء ما يتعلق بلباسها وزينتها أو بسلوكها وأفعالها ولاسيما خارج بيتها ووسط مجتمعها، ومن هنا ينشغل المجتمع بجدليات صغيرة في أساسها كبيرة في مترتباتها، ومن ذلك جدلية البرقع والنقاب كلباس، وجدلية سياقة السيارة كسلوك، والجدل هنا لا يقتصر على العلماء والراسخين في العلم وحدهم بل يسري في كل الألسنة من الأسواق والمقاهي حتى شاشات النت الإلكترونية، والجدل حول لباس النقاب تجاوز البلاد العربية بل والإسلامية حتى البلدان الأخرى في كيفية التعامل معه كظاهرة اجتماعية تغزو مجتمعاتهم التي لا تعرف هذا النوع من اللباس الساتر للوجه الذي هو محط الهوية ومجلى التخاطب، والجدل فيها اتجه نحو الجوانب الأمنية دون الدينية بطبيعة الحال.

 

لكنه في البلاد العربية ولاسيما في اليمن والسعودية اختلط فيه العرفي بالديني، وتفردت السعودية بجدلية سياقة المرأة للسيارة بينما في اليمن ما زال قائما حول ركوبها للدراجة النارية (السيكل/ الموتور)، فضلا عن سياقتها له، وقد أدى الأمر في السعودية إلى تدخل السلطة السياسية لحسم موضوع قيادة السيارة بضغوط آتية من الخارج قبل الداخل، لتنقلب المجموعة الدينية في تلك البلاد إلى غض النظر عن فتاوي التحريم السالفة لها حول تلك المسألة التي كان ينبغي أن تكون مجتمعية محضة، والخطأ هنا يبدو مشتركا بين أفراد المجتمع الذين يضعون كل ما يتعلق بتفاصيل حياتهم بين يدي الفتاوى وبين رجال دينهم الذين من ناحية يتعجلون ويتشددون في الفتوى في مسائل غير محسومة نصيًا، ومن ناحية أخرى في خلطهم بين النص الثابت والرأي المتغير، ومن ثم في معرفة حقيقة وحجم ما نسميه بالفتوى والنظر إليه كمصطلح مقدس لا يمس مهما تمادى زمنه وتغايرت ظروفه في الوقت الذي نعلم فيه تغاير مذهب إمام كبير كالشافعي بين عراقي يصفه الفقهاء بالقديم إبان أقامته في العراق، ومصري يصفه الفقهاء بالجديد بعد استقراره في مصر، وما المذهب سوى حزمة من الفتاوى في مسائل جمة من العبادات والمعاملات.

   وقل مثل ذلك عن النقاب أو البرقع الذي تفيض كتب الفقه في عرضه كمسألة خلافية تتراوح بين الوجوب والإباحة، أي إباحة كشف الوجه بل وجوب كشفه في بعض العبادات الجماعية التي يختلط فيها الجنسان كالحج والعمرة، مع إصرار عجيب من بعضهم وتحديدا في السعودية على توحيد الفتوى بوجوب النقاب نزولا لانتشاره في مجتمعاتهم، حتى في المواضع التي أتى النهي فيه عن لبس البرقع والقفازات كشعائر الحج الظاهرة للعيان، ومن المفارقة أن تكون تلك المواضع تحت سيادة الدولة التي يسيطر عليها علماء البرقع والتقوقع، وهو ما أثار عليهم أحد نظرائهم من سلفيي بلاد الشام المشهورين فألف عنهم كتابًا خاصًا يسجل فيه استغرابه بل استنكاره من ذلك التجاوز سواء للقول المطلق بوجوبه وتجاهل القول بإباحته وجواز كشف الوجه، أو بالصمت عن استعماله ولبسه من قبل نسائهم في الشعائر التي ينهى فيها عنه، ومما قاله نصًا وبوضوح: "لقد رأيت - والله - العجب العجاب من اجتماعهم على القول بالوجوب، وتقليد بعضهم لبعض في ذلك، وفي طريقة الاستدلال بما لا يصح من الأدلة رواية أو دراية، وتأويلهم للنصوص المخالفة لهم من الآثار السلفية، والأقوال المشهورة لبعض الأئمة المتبوعين، وتجاهلهم لها كأنها لم تكن شيئا مذكورا، الأمر الذي جعلني أشعر أنهم جميعا - مع الأسف - قد كتبوا ما كتبوا مستسلمين للعواطف البشرية، والاندفاعات الشخصية، والتقاليد البلدية، وليس استسلاما للأدلة الشرعية".

 

إذن فمثل رجال الدين أو العلم الديني في السعودية قد تشددوا في مسألة النقاب، بشهادة نظيرهم السلفي في بلاد الشام، لا لشيء سوى الخضوع لمجتمع تشدد اجتماعيًا وليس دينيا نحو المرأة فأعطى علماؤهم لهم صبغة دينية قداسية لذلك التشدد، وحولوا العادة البشرية إلى مسألة شرعية، وكان ضحيتها المرأة كجنس بشري، والمجتمع ككيان قائم على التفاعل والتحول، والتصقت بذلك التشدد الدول المجاورة جغرافيًا للسعودية الثرية، بل تجاوزها لبلاد عربية نسيت النقاب كمصر وتونس فضلا عن تسلله لبلدان الآخرين غير العربي ولا المسلم، حتى صار محط جدل عالمي في كيف مواجهته أو التعامل معه.

   إن النقاب ومثله اللباس الأسود للمرأة الذي نراه فاشيًا في مجتمعات الجزيرة العربية ما هو في حقيقته إلا عادة اجتماعية جانبية غير دينية وغير أصيلة في التاريخ الاجتماعي للمنطقة، ثم صبغتها فتاوى دينية ذات اتجاه أحادي بالجمود والتعقيد، بحيث وضعت صاحبة الشأن أي المرأة نفسها بتلك المجتمعات في حرج والتعرض للهمز واللمز إن أرادت كشف وجهها والتخلي عن البرقع، سواء لسبب ديني مخالف باعتقادها لجواز النقاب دون وجوبه، وتريد التمتع بحقها في الأخذ برخصة الجواز التي لا تختلف في مرجعيتها الدينية والسلفية عن القول بالوجوب، أو بسبب عارض آخر مرضي كضيق تنفس أو تحسس جلدي، أو حتى لنشأة امرأة ما في بيئة لا ترى تغطية الوجه قبل أن تستقر في مجتمع النقاب، وكل ذلك يدل على غلبة العادة الاجتماعية المديننة على ما يسمح به الدين نفسه بتعدد أقوال مجتهديه، وبسماحته في باب المعاملات، وبمراعاته لتغاير الأحوال وظهور المستجدات، ربما حتى يأتي مرسوم أو قانون لا يطيح بالنقاب كما أطاح بحظر السياقة وحسب، بل يأخذ في طريقه كل سبيل للتحفظ أو التشدد المجتمعي المصطنع والشكلي، فينقطع الداء، ويتنفس الناس الصعداء، ويرتفع الحرج عن جميع النساء