تمثل الإمارات اليوم حضورًا قويًا في المشهد السياسي الذي يتشكل اليوم في حضرموت والجنوب، وتؤدي دورًا بدا مرغوبًا ومرحبًا به ليس فقط من الجانب الرسمي، بل في الأوساط الشعبية التي تعبر في كل أطرها المنظمة وغير المنظمة عن ارتياحها من نتائج ومعطيات الحضور الإماراتي الحالي، الذي محا عن كاهل المواطن ضغط الجماعات المتشددة المسيئة لدينه الإسلامي ولمدرسته الحضرمية السمحة، وأزال عنه وعن مستقبله هيمنة العصابات التي سرقت كل ما هو جميل بحضرموت، وأسقطت مشروع وحدة الوطن والإنسان في قلوب ساكني ما كانت تطلق عليه بالمحافظات الجنوبية والشرقية، واتخذتها ساحة لتجاربها الفاشلة والبدائية المنقولة من محافظاتها الأصلية، أي أن الإمارات قد خلصتنا من نير عصابتين إجراميتين: عصابة أساءت لقيمنا الدينية، وعصابة شوهت قيمنا الوطنية، وكفى بذلك مكسبًا لود المواطن البسيط وتعاطفه في حضرموت والجنوب.

 

جوامع مشتركة حد التماثل : 

وبرؤية فاحصة للمسار الثقافي والتاريخي لمنطقتي الجنوب والإمارات نجد أن هناك جوامع جمة تتقاسمها إلى حد يقترب من التماثل ويتجه على التناظر، فقد اتفقت ظروف فيهما استطاعت الإمارات تجاوزها والتغلب عليها، فيما وقع الجنوب في إسارها وصار وشعبه ضحية سائغة لها، الأمر الذي حق فيه للإمارات أن تشفق عليه وتنقذه، وهو لها كالأخ التوأم في التماثل الذي أشرنا إليه وسنفصل الحديث فيه، أي أن رؤيتنا هنا ستكون ثقافية تاريخية محضة بعيدًا عن تفاصيل اللحظة وتداخلاتها أو تفاعلاتها، وإن كانت قد أدت إليها وساقتها في طريقها .

إن كلا المنطقتين يمثل الساحل جوهر نشاطهما الاقتصادي سواء من حيث التجارة أو الاصطياد أو النشاط البحري، كما يشكل الطبيعة الاجتماعية للسكان من حيث هدوء الطباع وتنوع الأجناس والسلالات لاتصال المدن الساحلية بالعالم عبر مياه البحر المفتوحة والتي تورث انفتاحًا اجتماعيًا وقابلية سريعة للتمدن والتحضر والاندماج الإيجابي، وفوق هذا كلاهما هيأ لهما موقعهما الجغرافي الوقوع على مشارف خليج بحري بجوار مضيق مائي حيوي، وهو في الجنوب خليج عدن ومضيق باب المندب، وفي الإمارات الخليج العربي ومضيق هرمز، مما جعل كلا المنطقتين محط أنظار العالم واهتمام نظمه السياسية بما يعكسه ذلك من خير أو شر عليهما .

 

توافق في النواحي النفسيّة والعقليّة : 

وبالعودة للمجتمع نجده على تنوعه في كلا البلدين يكاد يتفق في سماحته الدينية، باتخاذ مذهب ديني واحد يجمع بين وحدة الفروع ووحدة الأصول ووحدة السلوك، وهذا الأمر له دوره الجسيم في توافق النواحي النفسية والعقلية لدى شعبيهما، ومما يؤكد ذلك الصلات الممتدة بينهما سواء في الجوانب الشخصية أو الأنشطة التجارية المتعلقة بالبحر، فضلا عن حالة الهجرة والاستقرار من الجنوب المنكوب إلى الإمارات بعرائسها السبع . وإذا اتجهنا إلى التكوين السياسي الحديث لكلا المنطقتين نجده يكاد يكون متطابقًا من حيث تعدد الكيانات الحاكمة فيهما، إلا أن التعدد المتزايد لها في الجنوب شكل ضغطًا عليه ومثل عائقًا دون تلاؤمها، بينما كان أكثر محدودية عند الإمارات الأمر الذي يسر التئامها السياسي ونجاحه واستقراره، بينما اتحاد إمارات الجنوب وإن جاء مبكرًا منذ نهاية الخمسينيات تعرض لهزات عنيفة سياسية وأيديولوجية أسلمته للانهيار والسقوط في جرف لينتظر أن تمتد له يد صنوه اتحاد الإمارات لتنتشله منها، وهو ما يحدث اليوم حسبما نرى، وكان خيرًا لاتحاد الإمارات أن تأخر إلى بداية السبعينيات فسلم من هزات الخمسينيات والستينيات وعواصفها الجارفة .

هل تأخذ الإمارات بيد الجنوبيين لاستعادة هويتهم ؟

هناك تحد سياسي اجتماعي هو الأخطر تعرضت له كلا المنطقتين هو تحدي الهوية الوطنية والثقافية لهما، فكلاهما يقعان بجوار دولة موحدة كبيرة ترى ذلك الكيان جزءًا أصيلا منها وملحقًا بأراضيها، متكئة على منطق التاريخ وجدل الثقافة، وإذا كانت دولة الإمارات قد تجاوزت ذلك التحدي وعبرته بأمان، وكونت لها هويتها الثقافية والوطنية الخاصة بها ككيان سياسي حديث ويتمتع بسيادته في المجتمع الدولي المعاصر، فإن الجنوب فشل فشلاً ذريعًا في ذلك التحدي مع أنه كان أكثر قدرة على تجاوزه سواء بسعة جغرافيته أو عمق تاريخه ولاسيما ما يتعلق منه بحضرموت، ومع أنه قد أنشأ ابتداء دولته المستقلة إلا أنه في اللحظة نفسها فقد هويته، ولا خير في دولة مستقلة دون هوية مستقلة، إذ سرعان ما باعت استقلالها وسعت إلى وبالها، حتى جاءتها مرة أخرى يد أختها الإمارات لتصحح لها المسار وتنقذها من ذلك الإسار .

يرى الكثير من المراقبين أنه قد طال أمد الحرب القائمة اليوم، وتطاولت ذيولها، لكن خيرًا له أن يطول الأمد من أن ينتهي نهاية مشوهة ومنقوصة لا تليق بمستوى التضحيات، ولا ترتقي إلى سماء الآمال، ولا تلبي طموح ابن حضرموت وابن الجنوب المشروع في استعادة نفسه والتقاط نفسه، وتحقق رغبته الجامحة في امتلاك مصيره قبل امتلاك ثراه وثرواته، وأمل المواطن البسيط في اليد الإماراتية التي امتدت له أن تظل قابضة بيده إلى نهاية الشوط ليكون كلا الكيانين معًا ثنائيًا قويًا وناجحًا في أهم بقعتين من العالم حولهما، والله غالب على أمره .