من قيادة الطيران إلى الجيش والإعلام والثقافة والفن والإبداع.. امتلكت المرأة الجنوبية الريادة والأسبقية على مستوى الشرق الأوسط، فهي الرائدة التي امتلكت الجو (مدنياً وعسكرياً)، والمدافعة عن سيادة الوطن الجنوبي، والمساهمة في نهضة الجنوب، والمصنعة والمنتجة، والأم المربية.

كانت المرأة الجنوبية تنافس أخاها الرجل، إن لم تكن تتفوق عليه في الكثير من المجالات.. لكن ذلك لم يدم طويلاً، لقد قضت الوحدة والحرب على الجنوب على كل شيء، وأصبحت المرأة الجنوبية مقتولة ومسرحة ومحرومة من وظيفتها، أغلق نظام الاحتلال المصانع ودمر كل ما بني، وأصبحت المرأة الجنوبية تحن إلى دولة النظام والقانون.

لا شيء يذكر الجنوبيين اليوم، غير مجموعة صور بـ(الأبيض والأسود) لنساء جنوبيات شاركن في بناء الوطن الجنوبي الذي سلمه قادته إلى صنعاء أشبه بالهدية.

تقول موظفة سابقة في مصنع الغزل والنسيج: "لقد فقدنا وطناً كان يحتضن الجميع دون تمييز، فقدنا كل شيء، ولم يبق لدينا إلا صور تذكرنا بالماضي الجميل، وتجعلنا نبكي ندماً على ما فعله بنا الأشقاء الشماليون".

عشرات من المصانع في الجنوب كانت تدر دخلاً قومياً على اقتصاد البلد، ناهيك عن أنها كانت تشغل الآلاف من الجنوبيين بينهم نساء أصبحن فيما بعد على قارعة الطريق دون أي مستحقات.

بين ماضي الاحتلال.. ومستقبل في ظل الانتقالي

وبين ماضي الاحتلال اليمني للجنوب والمستقبل المشرق الذي رسمته القوات الجنوبية بتحرير محافظات الوطن من مليشيات الغزو ،والفشل الملحوظ الذي تركه حكم الشرعية قرر شعب الجنوب أن يستظل تحت راية مجلسه الانتقالي الجنوبي، والذي شدد بنيانه على الشراكة مع المجتمع الدولي بشأن استقلال الجنوب، ومكافحة الإرهاب وتثبيت الأمن والاستقرار في كل محافظات الجنوب.

وقد لعبت المرأة الجنوبية في ذلك دوراً مهماً وبارزاً، كان ولا يزال كشعاع من نور في وسط حفرة مليئة بالمشاكل والعقبات تمثل بحضورها القوي في المجلس الانتقالي الجنوبي، فسعت بكافة جهودها الملموسة إلى إيصال رسالة هذا المجلس إلى المجتمع الدولي، إضافة إلى التمثيل القيادي للنساء في الهيئات السياسية والمدنية والعسكرية والأمنية والاقتصادية من أجل المشاركة في بناء مؤسسات الدولة وإقامة شبكة من الاتصالات وفهم ديناميكيات العملية السياسية حتى يمكن الاستفادة من الفرص المتاحة في الوقت المناسب.

وبالرغم من مشاركتها في عملية النضال إلا أنها لازالت تواجه تحديات حقيقية تجاه مشاركتها في السلطة، الأمر المؤدي إلى تمثيل بسيط لها في الهيئات السياسية القيادية فخلال مسيرة أكثر من خمسين عاماً لم تجد المرأة الفعالة سياسياً مكانها ولم تصل إلى مواقع اتخاذ القرار.. فلماذا كل هذا التجاوز؟

وهل استغلت المرأة التغيرات التي طرأت مؤخراً بالشكل المطلوب؟

كل هذه التساؤلات سنجيب عنها من خلال جولتنا الصحفية ولقاءاتنا بعضوات المجلس الانتقالي في محافظات الجنوب.

التقينا أولاً بالأستاذة منال مهيم، رئيسة مؤسسة المستقبل للتأهيل وتنمية الوعي والقدرات، الأمين العام للتحالف المدني الديمقراطي، التي قالت: "شكل المجلس الانتقالي أملا لتحقيق حلم دولة الجنوب العربي ، ولكن للأسف ما لمسناه لم يكن بصراحة على مستوى التوقع، ولا ندري لماذا؟، هل لأننا توقعنا الكثير منه بعد يأس تملكنا أم أن القائمين عليه لا يختلفون عن غيرهم في موروثهم السياسي الذي كان سبباً في تمزقنا منذ ستينات القرن الماضي الذي لم أعاصره ولكني قرأت عنه؟.. وبالتالي فإن مشاركة المرأة أصابها ما أصاب مجمل تناول المجلس الانتقالي من قصور، ومع هذا فإن الأمل لايزال يحلق في سماء قياداته الذين نرجو منهم الإنصاف وتصحيح أخطاء الماضي".

و سألنا الأستاذة منال عما إذا كان تم ضم نساء جنوبيات ذات كفاءات إلى المجلس، فأجابت: "أولا دعينا نتفق، فلا نريد المبالغة في قدراتنا وخبراتنا، فمنا من اكتسب خبرة لا بأس بها ومنا من أقام اتصالات وعلاقات جيدة مع نظرائه من منظمات المجتمع المدني الدولية، إلا أنها تبقى غير كافية وذات تأثير أقل مما نريد، لأننا جميعا نعمل بجهدنا الذاتي ولا نجد أي دعم أو إسناد مادي ولا حتى معنوي من أي جهة كانت، وللأسف التنظيمات السياسية القائمة فقط تريد الاستفادة من منظمات المجتمع المدني دون إتاحة الفرصة لحركتها، وترغب في إلزامها بتوجهها السياسي وكأنهم لا يعرفون الفرق بين الأحزاب والتنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني المحظور عليها، فهي منطقاً وقانوناً تبني توجهاً سياسياً كمنظمات وإن كان ليس محرما على منسوبيها النشاط السياسي، ولكن ليس في إطار منظمات المجتمع المدني" .

وأضافت: "أوضح صورة لمعرفة ما أقصد هي النقابات المتعددة النشاطات سواءً أكانت عمالية أو أدباء أو محامين.. إلخ، فهذا ربما انعكس في اختيارات عضوية المجلس بحيث غابت بعض ذوات الخبرات والمعرفة، ربما لأن المزاج السياسي لأصحاب القرار لا ينسجم معهن، أقصد من غيبن، علماً أن الغالبية منهن يؤمن باستقلال الجنوب وقيام دولته الفيدرالية بعيدا عن اليمنية وضياع هوية الجنوب العربية".

وعن المعيار في اختيار المرأة الجنوبية للمشاركة في إنشاء المجلس وتقلدها مقاعد في القيادة.. أكدت مهيم أن المشاركة في المجلس عبر كوتا مخصصة للمرأة وإن لم تكن كافية، وقالت: "قطعاً من تم اختيارهن في المجلس نتيجة لقيامهن بأدوار لا ينكرها إلا جاحد، ويجب ألّا ننظر إلى أي مركز يصل إليه أي منا على أنه استحقه كمكافأة، ولكنه وصل إليه لأنه يملك مقومات أداء، فالوظيفة والموقع يأتيان إلى الشخص وليس هو من يسعى إليهما" .

وأردفت: "هكذا يجب أن تكون نظرتنا وهكذا يجب أن ننظر إلى زملائنا وزميلاتنا، هذه هي الأخلاق التي يجب أن نتحلى بها ونحن نساهم أو نقيّم أي عمل وطني يخدم هوية ووطن ومصير".

وختمت حديثها بالقول: "كلمتي الأخيرة موجهة لجميع شركائنا في الوطن سواء أكانوا آباء أو إخواناً أو أبناء، أقول لهم نحن النساء لسنا هنا فقط لإكمال العدد أو عينات للزينة أو ديكور تكتمل الصورة بوجودنا، بل نحن عمود أساسي في المبنى، فالوطن لا يكتمل بناؤه إلا بهذا العمود، ولا يقوى على البقاء إذا غاب أو ضعف هذا العمود.. فنحن النساء أصحاب حق أصيل في هذا الوطن في تقرير مصيره واختيار مساره، نحن من يدفع ثمنا باهظا بفقد الأب أو الأخ أو الزوج أو الابن، ثمنا للبناء والتحرر، فليس من الإنصاف أن نجد التهميش في كل مناحي الحياة.. ولا تنسوا أننا شقائقكم وأننا حين يتم إعدادنا وتعليمنا وتدريبنا ستحصدون بنا شعباً طيب الأعراق، وليعلم الجميع أننا لا نطلب إحسانا أو شفقة، بل نطالب بحق لنا، فإن لم يتحقق فنصف المجتمع تفقدون، وعماد الحياة تضيعون.. هلا وعيتم لذلك؟!.. نرجو ذلك!!".

الدكتورة جاكلين منصور محمد البطاني، عضو جمعية وطنية في المجلس الانتقالي، أستاذ مساعد في اللغويات والصوتيات قسم اللغة الإنجليزية، كلية التربية جامعة عدن، قالت إن "المجلس حدد نسبة للمرأة تمثلت بـ20 % في جمعيته الوطنية، لكنها تظل إجحافاً في حق المرأة، لأنها أعطيت للمرأة على أساس مشاركتها الفعالة والسياسية في المحافظات والمديريات، أما المرأة الريفية فلم تعطَ لها أي نسبة في ذلك بحجة أنه لا توجد نساء فاعلات في الجانب السياسي، وذلك انعكس سلباً على نسبة تمثيل المرأة في الجمعية الوطنية ككل".

واختتمت حديثها بالقول: أوجه رسالتين: الأولى للنساء في كل المناطق الجنوبية، بأنه لابد أن يكون لهن دور فاعل في النشاط السياسي لأن تواجدهن بكثافة في أي مكون سياسي سيحسن من وضع المرأة مستقبلاً.. والأخرى لأصحاب القرار، بأنه يجب عليهم تشجيع المرأة على المشاركة السياسية وفرض تطبيق النسب المخصصة للمرأة كأمر واقع، والعمل على زيادة تلك النسبة مستقبلا".

ختام لقاءاتنا كان مع الأستاذة جيهان حيدرة حسن علي، ممثلة للمرأة بمدينة زنجبار التي قالت: "كان ولايزال للمرأة دور لن يقدر أحد إجحاده، مناضلة كانت أم سلمية، حيث أبلت بلاء حسنا في ساحة النضال في وقت الحرب ويشهد لها الجميع بذلك، ولكنها رغم ذلك حرمت من حقها الطبيعي في عملية التمثيل لدى المجلس الانتقالي، وهذا يعود إلى القيادات التي وصلت إلى المجلس بدون فكر، فبدلاً من تكريم هذه المرأة المناضلة وقف الكثير ضدها في أن تمضي صوب المستقبل بحصولها على حقها المنصف والعادل من هذا التكوين".

وختمت بالقول: "رسالتي أوجهها بشكل عام إلى قيادات المجلس الانتقالي بأن يلتفتوا لفتة حسنة إلى ما قامت به المرأة من دور نضالي في الساحة الجنوبية لأن المرأة المناضلة قادرة على تحمل الصراع الذي يحدث في الميدان بجدارة، وأن يسعوا إلى توسيع فكر المجلس وتطويره ونجاح أهدافه أمام أصحاب المشاريع الأخرى".

هكذا سيظل نضال المرأة الجنوبية مرسوماً بأحرف من نور في صفحات التاريخ، فعلى الرغم من أن حاضر المرأة بات مهدداً بالإجحاف والنكران إلا أن مستقبلها سيظل يشرق من ذلك الأفق البعيد.. ونحن على أمل في أن القادم أجمل وأن يعطى المرأة لها كافة حقوقها مساواة بالرجل.