منذ اندلعت الأزمة اليمنية في 2011 لا يكاد يمر يوم دون أن أشعر بالأسى البالغ كلما تابعت شقيقا عربيا يكتب أو يظهر في نشرات الأخبار يحلل الأزمة اليمنية، يحدث ذلك دائما على اعتبار أن السياسة في اليمن، جنوبا وشمالا، لا تقوم على قواعد يمكن الارتكاز عليها في استقراء المشهد السياسي، في هذا السياق تعين على زميلة لبنانية أن اتصلت هاتفيا بعد مقتل الرئيس السابق علي عبدالله صالح وأعلنت اعتزالها الكتابة عن اليمن فلقد اصطدمت كل قراءاتها حول مستقبل اليمن بلحظة مقتل من كانت تعتقد أنه سيكون فارس المستقبل، فهو الذي سلم صنعاء للحوثي، وهو الذي سيستعيد صنعاء ويستعيد اليمن، لكنها فجعت بينما لم يفجع كل اليمنيين بنهاية الرئيس الاستثنائي لليمن، الاستثناء في كل شيء.
هذه المقدمة كانت ضرورة لما سيأتي، فالذين يعتقدون أنه بالإمكان تحقيق السلام في اليمن عبر أجندة يقررها مجلس الأمن الدولي، أو حتى سيد البيت الأبيض أو الكرملين، فأولئك لا يعرفون اليمنيين، وحتى الذين يعتقدون أن الحرب قادرة على تحقيق السلام في اليمن فهم لا يعرفون أن الحرب هي جزء من تفاصيل الإنسان اليمني.
فاليمني يولد على أصوات الطلقات النارية ويذهب إلى المدرسة حاملا البندقية ويتزوج وتزفه الطلقات النارية، وحتى حين يموت يودعه أهله وأحبابه بالطلقات النارية، فالحرب هي منه وهو منها ولذلك فإن الأجدر التفكير بالطريقة اليمنية لتحقيق السلام (الممكن) في بلد لم يعرف السلام المستدام.
من أشهر مقولات رئيس وزراء بريطانيا الأشهر ونستون تشرشل “النجاح هو أن تنتقل من فشل إلى فشل دون أن تفقد حماسك”، وهذا هو اليمن السياسي بكل اختصار، فاليمن ينتقل من فشل إلى فشل واليمنيون يمتلكون قدرة عالية على الذهاب من فشل إلى آخر، لا يكترثون لتاريخهم السابق من الفشل بل يصنعون منه تاريخا عظيما، بل ومنهم من يقدس ذلك التاريخ مع أنه كان تاريخا فاشلا، ولكنها سيكولوجية اليمني الذاتية تجعل من الفشل نجاحا باهرا.
في الجنوب كاد الجنوبيون يصنعون دولة فيدرالية عندما تقدمت رابطة أبناء الجنوب العربي بفكرة تكوين الاتحاد السياسي بين السلطنات والمشيخات في خمسينات القرن الماضي، لكنهم أخفقوا وانتصرت الجبهة القومية وأسست جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في 30 نوفمبر 1967، تم استيراد الأفكار اليسارية في مجتمع قبلي، والمحصلة أن القبليين الماركسيين تصارعوا في 13 يناير 1986 واستباحوا كل شيء في عدن، ثم خرجت مئات الآلاف من الحشود لتطالب باستعادة الدولة الجنوبية وإن كانت فاشلة فإنها حسب رؤيتهم كانت أقل فشلا من دولة 22 مايو 1990.
الفشل جنوبا يقابله الفشل شمالا. اليمنيون الشماليون مهووسون باستيراد التجارب من عند الآخرين ومن تلك الثورة المصرية، فعلى غرار ما فعل الضباط الأحرار في مصر فعل الضباط الأحرار في اليمن، المسألة لم تكن ثورة بقدر ما كانت تقليدا، ومن الأدوات الرديئة فعل اليمنيون في صنعاء ثورة تزاوجت فيها الإمامة بالجمهورية، وصنعت دولة عرجاء فشلت في الصحة والتعليم وظلت على مدار نصف قرن تتاجر بالشعارات القومية ثم الإسلامية ثم تستعيد القومية، وهكذا تخبطت فمازال اليمنيون منذ 26 سبتمبر 1962 محكومين بشيخ القبيلة حتى وإن ذهبوا إلى برلمان وكتبوا الدستور فالحكم يبقى مربوطا بـ”جنبية” (خنجر) الشيخ.
يُعرف عن تشرشل أنه كان عنيدا وكان مُدخنا شرها وخطيبا عظيما، صفات لا يمتلكها المبعوث الأممي مارتن غريفيث، لكنه يمتلك ما نسميه في اليمن “الصميل” أي العصا الغليظة التي ستدفع اليمنيين بكل أطيافهم وأشكالهم وعنادهم إلى صفقة سياسية تنهي فصلا من الحروب اليمنية وتؤسس لحروب قادمة، فمازالت مخازن السلاح عامرة بالرصاص والألغام وكذلك بالصواريخ الباليستية، ومازال مشائخ القبائل يمتلكون من الكلمات التي سيلقونها في البرلمان عن القانون والمساواة والدولة المدنية.
اليمن مازال عامرا بمخزونات هائلة تؤسس لمرحلة جديدة من الفشل، تذكر أيها الشقيق العربي المشفق على شقيقك اليمني أن تشرشل قد قال يوما “النجاح… هو أن تنتقل من فشل إلى فشل دون أن تفقد حماسك” وشقيقك اليمني مازال محتفظا بالقدر الكافي من الحماس لتكرار الفشل