يعيش اليمنيون معركة المرجعيات على مدار حياتهم فمنذ ثورة الشمال السبتمبرية 1962م والجنوبية 1963م يخوض اليمنيين هذه المعركة بصورة أو بأخرى، لكن مع ظهور الرجل الانجليزي صاحب الشعر الأبيض مبعوث الأمم المتحدة مارتن غريفيث في إحاطة مجلس الأمن الدولي المؤرخة في 2 أغسطس 2018م وإيحاءه بخطواته التي تبدو أنها تستهدف المرجعيات اليمنية القائمة بداية من القرار الأممي الصادر في ابريل 2015م (2216) ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني والمبادرة الخليجية، وفي تأكيد على أن ما تحدث به السيد غريفيث كان مؤشراً سلبياً كان انعقاد مؤتمر لتأكيد المرجعيات الثلاث في مقر الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي بحضور الدول الراعية بعد أيام فقط من جلسة مجلس الأمن الدولي.

وفي ظل هذه المعركة على تثبيت المرجعيات أعاد الجنوبيين التذكير بمرجعيات أساسية أربع لا تقل أهمية عن مرجعيات اليمن الحاضرة ، فالجنوبيين يحملون وثائق تتمثل في وثيقة العهد والاتفاق التي أبرمت في العاصمة الأردنية عمّان برعاية الملك الراحل الحسين بن طلال يرحمه الله (20 فبراير 1994م) ، والوثيقة الثانية هي القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي (924) و (931) الصادرة في شهر يونيو 1994م ، والوثيقة الثالثة البيان الصادر عن الدورة الحادية والخمسين للمجلس الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي بمدينة أبها السعودية الصادر في 5 يونيو 1994م ، والوثيقة الرابعة البيان الصادر عن المجلس الوزاري لدول اعلان دمشق بالكويت بتاريخ 5 و 6 يونيه 1994م.

ومن المفارقات المثيرة للدهشة أن موقف دولة قطر في حرب صيف 1994م كان شاذاً عن مواقف بقية الدول الخليجية والعربية فالدوحة هي الدولة التي رفضت القرار الأممي رقم 924 بحجة عدم تضمين القرار لنص يؤكد على ضمان وحدة اليمن ، وهو ما رأت فيه الرياض والقاهرة وابوظبي آنذاك أن ذلك سيمنح نظام صنعاء ذريعة لإيقاع خسائر فادحة بالمدنيين وهذه رؤية سفير السعودية لدى واشنطن الأمير بندر بن سلطان الذي كان له دور كبير وراء اصدار القرار 924 بدون أن يتضمن القرار وحدة اليمن فالسعوديين كانوا يدركون أن نظام صنعاء سيدمر كل شيء في مقابل الإبقاء على الوحدة اليمنية وهذا ما حدث تماماً في حرب دمرت اليمن الجنوبي واعتبرته غنيمة حرب للقوى الشمالية التي تحالفت للغزو الشمالي على مدن اليمن الجنوبي.

سياسة فرض الأمر الواقع وتجاوز المرجعيات المتعلقة بالقضية الجنوبية لم تستطع إلغاء الجنوب فبعد ثلاث سنوات اندلعت انتفاضة المكلا (ابريل 1997م) وعرفت استشهاد بن همام وبارجاش ومنحت للجنوبيين مساحة لرفض الإجراءات السياسية والعسكرية وبرغم القبضة الأمنية القوية للرئيس السابق علي عبدالله صالح إلا أن ظهور الحراك الجنوبي في 2007م كان مؤشراً على أن القضية الجنوبية من الصعب تجاوزها بمجرد فرضها عبر حلول لا ترتقي وقيمتها السياسية ، ولذلك فأن مخرجات مؤتمر الحوار الوطني تتطلب إعادة مراجعة حول القضية الجنوبية بما يكفل معالجة صحيحة لها.

يدفع إخوان اليمن وكذلك المتنفذين في السلطة السياسية على فرض الواقع على الجنوبيين متجاهلين أن المبادرة الخليجية وهي المرجعية الأساسية تضمنت في نقل السلطة استفتاءً على عبدربه منصور هادي وأن نتيجة ذلك الاستفتاء حصول هادي على نسبة 8% من أصوات الجنوبيين الذين مازالوا يعتبرون أن قضيتهم السياسية لم تحصل على ما تستحق في كل المرجعيات سواء تلك التي كانت في 1994م أو ما جاءت بعد 2011م.

وفي خضم هذا الصراع يراهن إخوان اليمن وكذلك بعض الأطراف المتنفذة على التناقضات الجنوبية وأهمها حرب الرفاق (13 يناير 1986م) وهذا رهان سقط وتأكد سقوطه مع انطلاق عاصفة الحزم (مارس 2015م) فالجنوبيين خاضوا معارك كبيرة منذ تحريرهم عاصمتهم عدن بإسناد من التحالف العربي، فلقد حصلت عملية تذويب غير مسبوقة في تاريخ الجنوب العربي أفرزت واقعاً مغايراً تماماً.

(قد) يكون أهم ما أنجزه الجنوبيين سياسياً في تاريخهم هو تشكيلهم المجلس الانتقالي الجنوبي، وعلى رغم تحفظات التشكيل وحتى الأداء السياسي يبقى أن الوصول إلى الحامل السياسي الجنوبي له قيمة اعتبارية كبيرة على اعتبار أن الأطراف الحزبية اليمنية وحتى القبلية لعبت على مدى سنوات طويلة في تنمية الصراعات الجنوبية الجنوبية ، لذلك لا يجب الابتعاد عن التقييم الموضوعي للمثل السياسي الجنوبي (المجلس الانتقالي الجنوبي) فبعد سنوات طويلة من محاولات التجريف السياسية استطاع الجنوب تكوين هذا المجلس الذي يجب أن يدعم من قبل الإقليم على اعتبار آخر هو حالة التشظي السياسية للقوى الحزبية اليمنية.

المرجعيات المتعلقة بالقضية الجنوبية لم تسقط بالتقادم إنما تم تنحيتها في ظل تسويات سياسية مختلفة وهو ما يمكن أن تراه مرجعيات اليمن المعاصرة فالبريطانيين يحملون خارطة طريق ستعمل على تنحية المرجعيات أو تفكيكها وفقاً لما تفتضيه الظروف السياسية ومدى تمسك الأطراف المتنازعة بمواقفها ، فيدرالية اليمن من إقليمين مع منح الجنوب حكماً ذاتياً دون تقرير المصير لن يكون كافياً بعد أن تجاوز الجنوبيين محطات صعبة وأصبحوا يحشدون قوتهم لمقارعة التنظيمات الإسلاموية.

التعقيدات اليمنية جنوبية وشمالية هي أصعب من ما يمكن أن يتم حلحلته عبر مؤتمر يعقد في جنيف أو لندن أو غيرها من عواصم الدنيا فالتراكمات التاريخية صنعت مرجعيات لن يستطيع أحد ما تجاوزها بغير إرادة إقليمية أولاً تنطلق من رؤية شاملة لانتشال اليمن جنوبه وشماله من شبكة التعقيدات إلى فضاء أرحب يتم فيه احتواء اليمن اقتصادياً بالدرجة الأولى مع تنمية اجتماعية ترتكز على خطة لخفض الأمية، ما عدا ذلك ستبقى مرجعيات الجنوبيين كشوكة في حلق مارتن غريفيث والعالم من بعده.