سعدت قبل أيام بلقاء الأنثروبولوجي الهولندي Huub de Jonge أستاذ الأنثروبولوجيا الاقتصادية في جامعة رادبود نايميجن الهولندية.

على حس حضارمة المهجر الشرقي كان لقاؤنا الذي امتد وتشعب من سورابايا شرقاً إلى تريم وسيئون و دوعن والمكلا والشحر والمشقاص غرباً. كنا على إيقاع منسجم كأننا حضرميان اجتمعا في الغربة، يشدهما الحنين والقلق إلى هناك، حيث التفاصيل الصغيرة، وحيث مستجدات اللحظة الراهنة وتداعياتها على الحياة العامة.

ولأن د. هوب ذو خلفية تاريخية وثقافية عن المنطقة فقد كان الحديث متناغماً، مفصلاً حول جوانب عديدة، في الهجرة، والهوية، والشخصية، والتراتبية، وسؤال الحداثة في مجتمع محافظ تتطلع اجياله الجديدة إلى مستقبل مغاير .

وكانت مسرحية "فاطمة" التي ألفها حسين بافقيه في ثلاثينيات القرن الماضي - وصدرت طبعتها الإنجليزية في مايو الماضي بتقديم د. هوب - مدخلاً إلى إشكالية اللحظة الممتدة من زمن حسين بافقيه وما قبله إلى الآن.

سألني د. هوب في نهاية جلستنا الشائقة: متى يجيب الحضارمة على سؤال يتوارثونه: لماذا ينجحون في شتات الخارج ويخفقون في لملمة شتاتهم في الداخل؟ فتبادلنا أفكاراً مشتركة بصدد الإجابة، من واقع الحال، لكنه أشار إلى أهمية أن يغادر الحضارمة معبد التاريخ، ليواجهوا متغيرات لحظتهم بوعي أمثال حسين بافقيه، فهُم دليلها إلى ذاتها المعاصرة، وعندئذ سيكتبون تاريخاً جديداً.

ستجمعنا لقاءات أخرى، فهناك أفكار لإنجاز أعمال مشتركة، وهناك تساؤلات ووثائق يرى د. هوب أن من المهم والمفيد أن نشتغل عليها معاً.

الطريف أننا تعارفنا أولاً عبر الإيميلات، فلما اتفقنا على موعد في إحدى أبرز مكتبات أمستردام، كتب قائلاً: ما رأيك أن نلتقي في مكتبة (...) الساعة (...) وكلمة السر بيننا (فاطمة)، فقلت في نفسي يا لهذه (الفاطمة) الحضرمية التي أذكت جدلاً في مجتمع عرب أندونيسيا في القرن الماضي ثم هاهي تمد وصلاً بين حضرمي وهولندي محضرم الآن في هولندا!