أن تكون في حضرة الفنان التشكيلي علي غداف فأنت في حضرة الدهشة الجمالية العالية الكعب. فهو كائن بقدر ما فيه من هدوءٍ يضفي عليك سكينة شاملة، يمور في أعماله الفنية كنهر يتراءى لك ساكناً وهو تيارات تجري في الأعماق ضاجةً بالجمال والعمق والإدهاش. وهو حين يحدثك عن تجربته المديدة مع التشكيل تتوقد عيناه اللتان تقرتا كل ضوء وظل ولون وهجس ومعنى ورمز وحكاية، حتى لتشعر أنك تصغي إلى نبي، لكن ممن يسيحون في الأرض بالريشة والإزميل.
*
البارحة كنت في حضرته في مدينة ساسنهايم الهولندية، على موعد طالما انتظرته منذ أن سمعت عنه، وعن فرادته المبكرة في المكلا وعدن وبغداد والكويت ثم هولندا، فظللت على ما يشبه اليقين بأن سنلتقي ذات يوم، وها قد تم اللقاء والإصغاء المستغرق لتفاصيل "غداف" الجميلة - بحضور ومشاركة قرينته ورفيقة دربه الفنانة التشكيلية العراقية أم أوسان - فداخلني الشعور نفسه، عندما أصغيت لأول مرة إلى تفاصيل عبدالرب إدريس الجميلة، قبل أكثر من عشر سنوات في القاهرة، فبين شخصيتي هذين المبدعين تشابه، من حيث فطرية التواضع الذي ينمازان به، على ما لتجربة كل منهما من خصوصية في مجاله، من اقتران بين البعد الإبداعي والبعد الأكاديمي، في تكاملهما إذ ينتجان اللوحة و الأغنية. 
*
غداف الفنان قارئ منتج أيضاً، يستلهم أفكاره من خلفيات ثقافية وحضارية، تمكنه من تفعيل المتخيل الجمالي، بحيث لا تتشابه اعماله، ولا تماثل أعمال الآخرين، وهو في مشاريعه التي يفرد لها طاقته الخلاقة، منقطعاً عن زحام اليوميات الروتيني، كأنه في خلوات الوحي اللذيذ، يماهي ذاته ووعيه بذوات موازية في الفن والتاريخ، معلياً لغة المتخيل التشكيلي في فضاء الغموض الآسر. إنه يعيد تشكيل قراءة الأثر مثلاً ليضيف شيفرته الخاصة، علامةً على التجاوز والمغايرة، فهو يتسق مع تمثيل "الأسد مجموعة خراف مهضومة"، تشكيلياً بمستوى عالٍ لا في السياق العربي والإسلامي(الشرقي) قديمه وحديثه، وإنما في السياق العالمي أيضاً.
*
رحلة إبداعه ممتدة في الآفاق، منطلقة في الاتجاهات، مشتغلة على سرديات تشكيلية يوظف فيها بمهارة واحترافية، إسقاطاته القرائية للمرويات والمحكيات، فلا يحول تجريد مثلاً عن تسريد الحكاية والتدوين بلغة الألوان، ليضع المتلقي في قلب المتعة المحفوفة بمهواة سحيقة، لا تفتأ أن تعلو به كأنها أرجوحة جمالية، على حافة شعرية.
ولأن لغدّافٍ كونه الفني الخاص، فوقته مترَع بالاشتغال على أفكار تلاحقه، ويلاحقها في كل آن، ولعله لذلك يتخذ مذكرة على مقربة من سرير يدون فيها كل شارة من أفكاره وواردة،ثم يتعهدها بمراجعة أي مصدر فنياً كان أم تاريخياً حتى يجلّيها كما ينبغي لجلال جمالها.
*
علي غداف المكلاوي الحضرمي الهولندي كان منذ البدء يرسل إشارات ضمنية دالة على أنه لم يخلق لمستوى من الحياة نمطي أو روتيني، فهو في ذاكرة جيله في المكلا ذلك الفتى والشاب الأنيق المتميز ذو المواهب اللافتة، ثم هو المؤسس في مجال الفنون في عدن، في عهد الرائد علي عبدالرزاق باذيب وزير الثقافة الذي كان يرى في قدرات غداف محققاً أفكار المثقف الطليعي وأحلامه في التحديث. ولأن غدافاً عصيّ على الدوران في اليومي الروتيني الذي يستهلك الموهوب، فقد كان الانطلاق نحو التأهيل الأكاديمي لينتقل من محطة فنية إلى أخرى في مشارق الأرض ومغاربها، محققاً ذاته المبدعة في تألقها في موطن فان جوخ وفناني عصر النهضة والفن الحديث والمعاصر ، متميزاً بجمعه بين ثقافة شرقية وتقنيات غربية تتساهمان في إنتاج فرادة ما يبدعه.
*
لا تحيط الكلمات، في سياق كهذا، بما لغداف من مكانة، ولكن حسبها أن تسجل انطباعاً اولياً عن قامة إبداعية فريدة، في مجالها.