دعونا نحسبها في كل الحالات ، ندرسها من كل الجوانب و الجهات ، نراها من مختلف الزوايا و الرؤى ، لدى جميع الفئات و الأفراد ، نشخصها حسب الوضع و شدة الوقع ، و حتى لا نغفل الحيثيات المثيرة للجدل سنقرأ ما بين السطور،  لندقق في المعاني و نرفع اللبس عن العبارات المبهمة،  فنسرد من الخفايا حبكة تجعلنا وجها الى وجه مع الحقيقة ؛ حقيقة لطالما تحاشيناها خوفا من إدراكها .. نعم سنضع الأمر تحت المجهر لنعمق البحث أكثر حتى الوصول الى خبايا الأشياء و جوهرها المكنون منذ الأزل. 
بعد القيام بكل هذا و أكثر ، سنكتشف أن لكل روايته الخاصة ؛ بفصولها و شخوصها ، بمجمل أحداثها و مجرياتها ، بشتى مغامراتها و تحدياتها ، بأبرز لحظات فرحها و أفجع صور حزنها ، بأروع حب يرافقه سلام داخلي و أعظم كرب يصاحبه الم باطني و جزع خارجي ، بمراحلها و مختلف سنواتها .. هكذا تمر الحياة ؛ دقائق تتسارع ،فساعات و أيام تختزل ، تم أعوام تتراكم ،  و ليس لك الحق في أن ترجو يوما عودة الزمان للوراء لتغيير شئ او إحداث فرق ، الأمر أشبه  باجتيازك امتحان فبمجرد تسليمك الورقة لا يحق لك استعادتها لتغيير شئ او حتى تعديله .. لقد حسم الأمر و انتهى ! 
 فما جدوى أن تعيش ملتحفا عباءة الأحزان، شاحبا من شدة الاستياء، نادما على ما فات ؟ ما الغاية من أن تزج بنفسك في دوامة لا تكاد تفك طلاسيمها ؟ .. اعلم أن العالم أشبه بشركة ، الكل يسعى جاهدا الى التقدم و الارتقاء ، الكل يجابه الصعاب بغية اقتناص الفرص ، الكل يراوغ  هنا و هناك ، ليسقط و ينهض، ينجح و يفشل ، لكن الأهم أن يصل  الإنسان الى المراقي الصعود و يحقق ذاته باحتلال الصدارة عن جدارة .
لن ينتظرك احد لتنفض غبار حزنك و همك على مهلك، فالوقت أثمن من الذهب.. انه وقت اللحاق بالركب ، وقت العودة الى مزمار السباق ، وقت طي دفتر الذكريات و فتح صفحة جديدة للانطلاق ، فكل ما مضى أصبح  في زمان كان؛ عبرة قد مرت و حكمة قد رسخت في البال .
 فشل دراسي، فقر اجتماعي، عوز مادي، مرض مستعص، فقدان أحبة.. الخ  ، كلها حواجز تعرقل المضي و إن الحكيم لمن يستطيع وسط هاته الجلبة  أن يقف منتصب القامة ، مرفوع الهامة ، مستعدا  لكل الاحتمالات ، متحديا ذاته قبل الصعاب ، متجاوزا مخاوفه و كل هواجسه،  ليعيش يومه و كأنه المتبقي ، يقدر الثانية من وقته و يسعى جاهدا لتحقيق غاياته بدل تأجيلها يوما تلو الاخر، حتى يخمد لهيب شغفه و يستحضر ما تبقى من آماله.
 أن تجهد نفسك باستباق المستقبل و أحداثه او ترهق ذهنك باستحضار  صور الماضي  و أحزانه ، كلا الأمرين لن يزيدا إلا من مأساتك واستنزاف طاقاتك . فبين  العودة الى الماضي و  التطلع لاكتشاف المستقبل تخسر الحاضر، الذي من شأنك أن تزهر فيه و تحصد من الفرص ما يغنيك عن سؤال حاجتك و تسول شفقة تلك و ذاك .
عش يومك مستغلا كل لحظة ، مستفيدا من كل خطوة ، صانعا الحدث و باحثا عن الفرصة ، مطورا قدراتك ، عازما على بلوغ مرادك  لا فشل الماضي يعثر مسارك و لا غموض المستقبل يعكر صفو مزاجك .. فليس من الضروري أن تحقق غايتك دفعة واحد، فيوما تلو آخر تتسع الرقعة و تتضح الصورة ليزداد شغفك و تطلعك الى الأفضل، فقد يحملك العمل الجاد و الدءوب الى عوالم جديدة و آفاق حديثة واعدة لم تخطر على بالك يوما ..
عندما سأل الله موسى عن طلبه قال : ربي أرني أنظر إليك ، وهو بذلك يطلب اكبر الأمور و أشدها وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن طموح الإنسان لا يعرف حدودا ، فقد يحمله الى تحقيق المحال و تكسير قيود الأمر المعتاد .. إذن فلتسارع الى  رفع سقف أمنياتك و لتعمل جاهدا لتحقق و لو جزء من  تطلعاتك في كل يوم ، معتبرا انه فرصتك الوحيدة لنيل مرادك و تحقيق طموحك و اتبات ذاته و قدراتك.