يواصل حزب "التجمع اليمني للإصلاح"، الذراع الرئيسية لجماعة الإخوان في اليمن، اللعب على المتناقضات، لتحقيق مكاسب أكبر على المشهدين؛ الداخلي والإقليمي فيما يخص اليمن، محاولاً إعادة الإخوان للواجهة، بعد التحجيم المفروض على الجماعة عقب سقوطها في مصر، والحصول على مكاسب على الأرض، لضمان لعب دور سياسي أكبر في مرحلة ما بعد هزيمة الحوثيين.

ومن أجل تحقيق الأهداف السابقة؛ لعب "الإصلاح" وقادته على كلّ المتناقضات؛ اليمنية والإقليمية، وقسّموا أنفسهم لفرق، كلّ منها تعمل في اتجاه، من أجل الوصول لنتيجة لا تخصّ اليمن وحده، بل يبدو أنّها، تتعلّق بمستقبل الإخوان في الإقليم ككلّ، وهذا ما سيتضح من خلال استعراض إستراتيجيات الحزب المستمرة لتحقيق مكتسباتها. 

تمكّن الحزب من مفاصل الدولة والدعوة والعمل الاجتماعي والاقتصادي

الإستراتيجية الأولى: إخلاء المدن

منذ أن تمكّن الحزب من مفاصل الدولة والدعوة والعمل الاجتماعي والاقتصادي، لا يمكن أن يمرّ عمل في الدولة اليمنية إلا وهو يخطط لأن يكون جزءاً منه، في مسلسل طويل من الممارسات تجمعها الانتهازية والتنكر للشعارات التي يرفعها، بلغت ذروتها بالاتهامات الذي تلاحقه بالدور الذي لعبه في تمكين الانقلابيين من السيطرة على صنعاء، وأخيراً ترك المواقع للانقلابيين والإخلال بتفاهماته مع التحالف العربي في كلّ مواقع القتال.

لعب "الإصلاح" على كلّ المتناقضات اليمنية والإقليمية وقسّم نفسه إلى فرق كلّ منها تعمل في اتجاه

الكاتب المصري، محمود جابر، الوثيق الصلة بالشؤون الإيرانية والحوثية، قال في تصريح خاص لـ "حفريات": "الإخوان، ممثَّلين في حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذراع السياسية للجماعة في اليمن، دعموا ظاهرياً في البداية عاصفة الحزم؛ لأنّها ستعيدهم إلى المشهد السياسي باليمن، من خلال تخفيف الضغط الذي فرضه عليهم الحوثيون؛ حيث إنّ هذا من الممكن أن يتيح لهم استعادة جزء كبير من نشاطهم وقدرتهم التنظيمية، لكنّهم وجدوا أنفسهم في مرمى الحوثيين، فتفاوضوا معهم عن طريق الدوحة، في لقاءات سرية، بغية البحث عن مكاسب سياسية، ولمّا زاد قصف قوات التحالف، أيدت الجماعة الحرب، دعائياً، في الوقت الذي صدّرت فيه للشعب اليمني وقوفها على الحياد من الأحداث، في انتظار من سيفوز في النهاية في تلك الحرب، أو من سيقدم دعماً وعوناً أكثر للإخوان، وفق فقه المصالح".

 

حزب الإصلاح يخوض حرباً خفية داخل الشرعية لتطويع المؤسسة العسكرية

 

في هذا السياق؛ ذكرت تقارير صحافية يمنية، ومنها صحيفة "عدن": أنّه خلال الفترة التي سبقت دخول الحوثيين إلى العاصمة، ظلت جماعة الإخوان المسلمين، الممثلة في حزب "التجمع اليمني للإصلاح"، تترقب وسيلة للتعايش معهم، وبعد تفاوض أفسحوا المجال للحوثيين لدخول العاصمة، ولم يقوموا بأيّ ردّ فعل، أو حتى الدفاع عن كيانهم ورموز حضورهم، مثل مقار الحزب التي كانت تنتشر بشكل كثيف في العاصمة، إضافة إلى منازل كبار قادة الجماعة.

لا يمكن أن يمرّ عمل في الدولة اليمنية إلا والحزب يخطط لأن يكون جزءاً منه

وتتابع الصحيفة أنّ ذلك جاء بناءً على اتفاق يقضي بعدم مساس الحوثيين بالمصالح الاقتصادية والشركات التابعة لقيادات الإصلاح، مقابل عدم اعتراض الحزب لتوسعات الانقلابيين، فأخلى الحزب معسكراته الكبيرة في صنعاء وعمران ومنها "الفرقة الأولى مدرع"، في الوقت الذي كان قادته يعلنون أنّهم يمتلكون 70 ألف مقاتل للدفاع عن العاصمة، لكنّهم فجأة اختفوا بأوامر سياسية، بحسب اعترافات أعضاء وقيادات إصلاحية من الصف الثاني، فاقتحم الحوثيون العاصمة بسهولة، وحاصروا منزل الرئيس عبد ربه منصور هادي! ثم توجهوا إلى تعز، وهي المدينة التي يتواجد فيها أكبر عدد من قواعد الإصلاح، فوجدوا الحزب ينسحب بهدوء فدخلوها بهدوء دون قتال!

وفي الوقت الذي أصدر الحزب بياناً، في 27 آذار (مارس) العام 2016، دان فيه تحالف علي عبدالله صالح مع الحوثيين، مؤكداً أنّ القضاء عليهم سيغير الموازين، إلا أنّه مكّنهم، فيما بعد، من الوصول إلى تعز والسيطرة عليها بسهولة.

 

حزب الإصلاح اليمني: متى كانت الولاءات الوطنية تمر عبر الخارج؟

 

يقول مدير المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الإستراتيجية، سمير راغب، في تصريح خاص لـ"حفريات": "لقد أخلوا تعز أمام الانقلابيين، وكرّروا ذلك مؤخراً، فحينما كادت المدينة أن تتحرّر، خانت العناصر التابعة للتجمع الوطني للإصلاح (الإخواني) التحالف، ما أدّى إلى تراجع الانتصارات لعناصر الشرعية".

وبيّن راغب أنّ عناصر الإخوان تخلوا عن خطوط ومواقع مكتسبة، ومنها هيئات مرتفعة مسيطر عليها، وطرق ومحاور إستراتيجية مسيطر عليها نيرانياً، وكذلك الأمر في مآرب، وفي النطاق القبلي حول صنعاء؛ في نهم، وبني حشيش، وبني إرحب، وسنحان، وبني بهلول!

أفسحوا المجال للحوثيين لدخول العاصمة

الإستراتيجية الثانية: التعايش مع الحوثي

أهم بنود الاتفاق الذي عقد بين الحوثيين و"الإصلاح" في "كهف مران" العام 2014، الذي نقلته وكالات أنباء عالمية، وأفردت له صحيفة "الرأي" الكويتية الحديث في 20 أيلول (سبتمبر) 2014، هو التعايش، بمعنى عمليات استلام وتسليم من قبل الإصلاح لمليشيا الانقلابيين؛ حيث إنّه ما إن يدخل الحوثيون منطقة إلا ويسارع فرع حزب الإصلاح فيها بالتواصل مع الحوثيين، وتنصيبهم حكاماً رسميين لتلك المناطق، كما يترك الإصلاحيون الجبهات بالمحافظات الشمالية تنهار أمام الانقلابيين، ويقوم قواعد الحزب بنسف جهود التحالف الإغاثية والتنموية، وتعطيل أشكال الحياة وإبقاء الأوضاع الخدمية على ما هي عليه.

 

الصبيحي: الإخوان في اليمن يتحركون وفق أجندتهم الخاصة لذا ساهموا بتعثر الحسم في الكثير من الجبهات

 

وفي سياق متصل، أشار الكاتب د. حسن قايد الصبيحي، أستاذ الإعلام بجامعتي الإمارات والشارقة، في مقال له بصحيفة "الاتحاد"، إلى أنّ الإخوان في اليمن يتحركون وفق أجندتهم الخاصة؛ لذا كان لهم، كما يقول، دور سلبي، ساهم في تعثر حسم المعركة في الكثير من الجبهات، بسبب حرصهم على ألّا تنتهي المعركة لحساب طرف دون الآخر؛ "حيث يحرصون على الاتفاق مع كلّ طرف على حدة، من أجل معرفة المساحة التي يمكن أن يلعبوها في "يمن ما بعد الحوثي""؛ ويشير إلى أنّه نشبت معركة في مدينة تعز، بين فصيل مقرب من حزب الإصلاح وعناصر تابعة للقيادي في المقاومة ذي التوجه السلفي (أبو العباس)، بسبب الأجندات المختلفة حول أحقية كلّ منهما على الأرض، ومواقع ونفوذ كلّ منهما.

الإستراتيجية الثالثة: الانهزام وترك المواقع بالجبهات

كان أعضاء الإصلاح يتطوعون في جبهات القتال، لكنّهم سرعان ما يتخاذلون في الجبهات، وهذا حدث بمأرب ونهم والجوف، وحول صنعاء، وفق ما نشرته "سبوتنيك" الروسية، بتاريخ 9 تموز (يوليو) العام 2018؛ حيث رأى الكاتب والباحث السياسي اليمني، علي نعمان المصفري، أنّ جماعة الإخوان تحوّلت في وضع اليمن الحالي إلى "سرطان".

 

تحالفات حزب الجماعة لا تثبت على حال ويتحرّك وفق أجندات خاصة همّها مكاسب ما بعد الحرب

 

في 20 أيلول (سبتمبر) العام 2017؛ نشرت تقارير صحافية، كيف أنّ حزب "الإصلاح" يسلم أسلحته للحوثيين، وأنّ الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي قرّر إقالة محمد علي المقدشي، المنتمي لـ "حزب الإخوان" من رئاسة الأركان، وتعيين "طاهر علي العقيلي" بدلاً منه، لأنّه، وفق التقارير الصحافية آنذاك، يتواطأ مع ميليشيا الانقلاب، ويسرّب لهم معلومات سرية وخطرة، ويرفع إحداثيات لاستهداف الجيش الوطني والمقاومة في مأرب، ويؤخر الحسم العسكري بالمحافظة، كما يهرّب كميات كبيرة من الذخائر والعتاد العسكري إلى صفوفهم.

وقد أعلنت قوات التحالف، يوم 22 أيلول (سبتمبر) العام 2017، بالفعل، ضبط عدد من شحنات السلاح المهربة، التي كانت في طريقها من محافظة مأرب إلى الانقلابيين في محافظة صنعاء، بدلالة ظهور القيادي الانقلابي، محمد علي الحوثي، وسط صنعاء، على متن مدرعات قدّمت تعزيزاً لجبهات القتال في محافظة مأرب، التي تدار من قبل قيادات تنتمي لحزب الإخوان.

 

 هذه الألوية العسكرية التي تخضع لحزب الإصلاح في تعز

 

بدوره، يتساءل المحلل السياسي سمير راغب، في معرض حديثه لـ"حفريات": "لماذا تقف معارك تحرير صنعاء عند الطوق القبلي حول أمانة العاصمة صنعاء؟ ولماذا نجحت عمليات الساحل الغربي في الخوخة والتحيتة، وحتى الحديدة، بقيادة الإمارات؟ الإجابة هي: أنّ أبوظبي لم تعتمد على عناصر إخوانية، بل اعتمدت على عناصر مستقلة".

من جهته، قال الخبير السعودي العسكري، العقيد أركان حرب متقاعد، إبراهيم آل مرعي، في تصريحات نقلتها قناة "سكاي نيوز عربية": "إنّ إيرادات الغاز استحوذ عليها حزب الإصلاح الإخواني، ووضعها تحت تصرف القيادي الإخواني سلطان العرادة"، مؤكداً أنّ التحالف العربي "تعرض للخيانة في شمال اليمن، من قبل جماعة الإخوان، موضحاً أنّ التحالف لا يواجه الانقلابيين الحوثيين وحدهم؛ بل هناك طرف آخر يمارس الخيانة، وهو الإخوان".

 

"الإصلاح الإخواني" مرتبط بالتنظيمات الإرهابية

 

الإستراتيجية الرابعة: دعم التنظيمات الإرهابية

ثمة مؤشرات أنّ "الإصلاح الإخواني" مرتبط بالتنظيمات الإرهابية، حتى أنّ عدداً منها في مدينة تعز لها ارتباطات تنظيمية، وقد كشفت وثائق عثرت عليها قوات التحالف العربي باليمن في مدينة شبوة، التنسيق بين الإخوان وتنظيم القاعدة بشكل مباشر، والتستر خلف عباءة المقاومة للقيام بأعمال إرهابية في الجنوب اليمني، وفق ما أشارت له تقارير صحافية، ومراقبين.

وفي هذا الصدد، يقول الكاتب المختصّ بالشأن الحوثي، محمود جابر، في تصريح لـ"حفريات": "الإخوان يلعبون على محورين مختلفين متناقضين متحاربين؛ محور التحالف عن طريق ما يسمّون "الحمائم"، في الوقت الذي يلعب "الصقور"، بقيادة عبد الملك المخلافي، دور محاولة تكوين تحالف آخر، يضمّ قطر وتركيا وربما إيران، ومعهم الجماعات المتشددة الأخرى، وهم بهذا، وعن طريق بيانات عدد من المنظمات الحقوقية، يحاولون الابتزاز".

كشفت وثائق عثرت عليها قوات التحالف في مدينة شبوة التنسيق بين الإخوان وتنظيم القاعدة بشكل مباشر

وكشف محمود جابر، الوثيق الصلة بالشؤون الإيرانية والحوثية، "عن لقاءات وتنسيق جمع بين حزب "الإصلاح"، وميليشيات الحوثي، تحت رعاية قطرية، مهّدت لها تصريحات قيادات بارزة في حزب الإصلاح الإخواني، دعت بشكل مباشر للتحالف مع الحوثي تحت ستار "المصالحة الوطنية"، ولإبعاد اللوم عنهم، غلّفوا الأمر بغطاء ديني، قائلين: إنّ هذا الأمر "واجب ديني"، وفق جابر.

ويضيف جابر: "علاقة حزب الإصلاح بجماعة الحوثي ليست جديدة، فقد جمعت بينهما علاقة وطيدة، حين كانت مليشيات الجماعة مسيطرة على محافظات الجنوب قبل طردها، كما ظهر ذلك في التخاذل، الذي أبداه حزب الإصلاح في مقاومة الحوثيين في الشمال، الذي سيطروا عليه بسهولة، وكان التحالف بين الطرفين غير معلن في البداية، غير أنّه ظهر في تسليم الإخوان لمواقعهم القتالية لمليشيا الحوثي؛ بل وانخرطت عناصر إخوانية في القتال إلى جانب تلك المليشيات".

 

 تورط حزب "الإصلاح" بدعم التنظيمات الإرهابية في اليمن

 

وأضاف أنّ الجماعة تستخدم "القاعدة" و"داعش" لفرض مشروعاتها، ضارباً المثل بمدينة تعز؛ حيث توجد بها العديد من التنظيمات والفصائل الدينية، بعضها مرتبط بتنظيم القاعدة، والآخر بـداعش، لكن ما يجمعها هو ارتباطها بجماعة الإخوان وحزبها الإصلاح.

تكشف هذه المعطيات تحالفات حزب الجماعة التي لا تثبت على حال، وأنّه يتحرّك وفق أجندات خاصة، تتعلق كلها بوضع ما بعد انتهاء الحرب، وكيف يمكن أن يجني أكبر المكاسب، لا يبدو أنّ من بينها مصالح الشعب اليمني الذي طالما تغنى بالحرص عليها.