هذه الكلمة التي تعني التمركز حول الذات قد لا تتردد كثيراً على ألسنة أصحابها ، لكننا نستشفها من خلال سلوك بعض الأفراد ، وبالأخص عند سبر الأغوار حيث يتضح الغث من السمين .

إن ذلك الشخص الذي يهمس في أذن نفسه ، ويعيش في حدود ظله ، ولا يهمه إلا شخصه ، هو في الحقيقة لا يدرك من معاني الإيثار إلا حروفه ، وهو وإن سمع بقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) إلا أنه لا يفقه من مدلوله شيئاً ، وإن فقه فلن يعيره اهتماماً ؛ لأن نفسه التي بين أضلاعه هي أعز ما يملك ، فهو يتمحور حول ذاته ، فيسعى لنفسه ، ويشقى لنفسه ، ويعيش لنفسه ، وإذا سألته عن غيره أعرض ونأى بجانبه .

 

نفسي نفسي تتبلور معانيها عند ذلك الجار الذي يغدو ويروح ذهاباً وإياباً ، وعتبة جاره أمام ناظريه ، ومع هذا لايدري بأن جيرانه يمر عليهم الشهر والشهران والثلاثة لا يجتمعون على مائدة واحدة ، ولا يوقد في بيتهم نار .

هو يأكل ما لذ وطاب من أشهى المطاعم والمشارب، وينفق في الحفلات ما لا يعلم به إلا الله تعالى ، ويلبس أفخر الثياب ، ثم يبخل على جيرانه باللقمة واللقمتين .

نفسي نفسي تنطبق على هذا الذي يعلم علم اليقين بما تحصده المجاعات من آلاف  المسلمين الذين يموتون أمام عينه في بلادٍ شتى ، وهو ينظر إليهم وكأن الأمر لا يعنيه .

 

كم من طفل بات ليلة ظلمــــاء لم يذق شربة من مـــــاء !

وكم من أطفال بُحت حناجرهم من شدة البكاء منتظرين يداً حانية تمسح عبراتهم ، وتحسن إليهم ولو بكسرة خبز !

إن صاحب الطبع الأناني يرى اخوانه المسلمين يُقتلون وتستباح محارمهم ، ومع ذلك لا يتحرك فيه ساكناً .

يسمع شكاوي المستضعفين وصرخات المظلومين فلا ينطق ببنت شفه ، ولا يتحرك قيد أنملة .

 

ينام على أريكته قرير العين ، وإن رأى في منامه طلقات الرصاص المفزع تجتاح اخوانه .

يأكل ويشرب ويتنعم ، وما تبقى يقذف به في سلة المهملات مع القاذورات والأوساخ .

ولما غاب مفهوم التكافل الإجتماعي ، وغابت معاني الأخوة في نفوسنا ، وطغت علينا الماديات نسينا أننا بالإسلام أمة واحدة كالجسد الواحد تربطنا وشائج الدين وتتغلغل عرى الإيمان في نفوسنا .

ما بالنا نطوي ثوب الأخوة الإسلامية ، ونلتف حول أنفسنا ، وكأننا قد مسخنا خلقاً آخر !

 

ما بالنا لا نكتوي بجراح أمتنا ، ونصم آذاننا وكأننا نحن البشر وهم ليسوا من عداد البشر !

إذا كان حال كثير من الناس على هذه الشاكلة لن تجد ـ والله ـ مجتمعاً مترابطاً متآخياً ؛ لأن الكل ينادي : ( نفسي نفسي ) وعندئذٍ سيتصدع كيان المجتمع ويتزعزع أركانه ، ومن ثم يسهل على أعداء الله بث سمومهم الفتاكة ومخططاتهم الماكرة من خلال هذه الثغرات المتباعدة.

 

وإذا لم يجد أعداء الله صفاً محكماً وبنياناً مرصوصاً فلا تسأل عند ذلك ما الذي حدث ؛ لأن ما رأيته بأم عينك مما كسبت يداك ومما جنيته على نفسك .