«لم يسبق لأحدٍ مِنا أن قرأ شيئًا مُمَاثلاً لرواية «ميلكمان» (بائع الحليب)، إنها «فريدةٌ من نوعها تماما» و»مُدهشةٌ جدا»، بهذا التوصيف قدم كوامي أنتوني أبييه، رئيس لجنة تحكيم جائزة مان بوكر لعام 2018 روايةَ الكاتبة الأيرلندية آنا بيرنز، المولودة في بلفاست عام 1962 والمقيمة في جنوب لندن منذ عام 1987، خلال تتويجـــها بجائزة مان بوكر الشهيرة، في حفل كبير أقيم في مبنى غيلدهول، وحضرته كاميلا باركر باولز، زوجةُ الأمير تشارلز. ويبدو أن غيابَ جائزة نوبل للآداب لهذا العام أمرٌ ساهم في تكثيف احتفاء الإعلام الثقافي الغربي بمان بوكر في نسختها الجديدة، علمًا أن هذه الجائزة تُمنح سنويًا لعمل أدبي مكتوب باللغة الإنكليزية من جميع أنحاء العالم، ومقدارها 85 ألف دولار، غير أن قيمتها الرمزية عالية جدا، من جهة كونها تحقق للفائز شهرةً عالمية كفيلة بمضاعفة مبيعات عمله الفائز، على غرار ما حدث مع الروائي الأمريكي جورج سندرز الذي أعلن ناشر روايته «لينكولن في باردو» الفائزة بمان بوكر عام 2017 بأنه باع منها أكثر من 230 ألف نسخة.


بطلة رواية «ميلكمان» هي شابة تبلغ من العمر 18 عاما، لم تُسمها الكاتبة، وإنما وصفتها بأنها «الأخت الصغرى»، تعيش في مدينة لا نعرف اسمها، ولكننا نقف على إشارات عديدة تُحيل إلى كونها مدينة بلفاست في أيرلندا الشمالية التي شهدت كثرة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية خلال فترة السبعينيات، وبقدر ما حاولت هذه الشابة الابتعاد عن هذه الاضطرابات المحيطة بها، حيث ملأت وقتها بقراءة روايات من القرن التاسع عشر هروبا من كل ما له صلة بواقعها المعيش، إلا أنها وجدت نفسها موضوع شائعات عديدة تتهمها بإقامة علاقة مع «Milkman» وهو رجل عسكري متزوج، يبلغ عمره 41 عاما، ظل يتودد إليها ويُحاصرها حيثما ذهبت، حيث تقول: «لم أكن أحبه، لقد كنتُ خائفة منه ومرتبكة جدا بسبب سعيه إلى إقامة علاقة غرامية معي»، وقد ظلت هذه البطلة مشغولة بمحاولة منع أمها، وباقي أفراد عائلتها، من التنبه إلى مشكلتها مع بائع الحليب، غير أن الشائعات ظلت تغذي الواحدة منها الأخرى، حتى أصبحت حكايتُها حديثَ كل الناس.


وقد اتخذت الكاتبة آنا بيرنز حكاية هذه الشابة لتنتقد الآثار النفسية للخوف اليومي المستشري بين المواطنين، وحتى بين أفراد العائلة ذاتها، ولتكشف أيضا عن أزمات سياسية واجتماعية وثقافية كانت قد عاشتها هي ذاتها في أيرلندا الشمالية، قبل هجرتها إلى لندن وقالت عنها: «لقد نشأت في بلدٍ مليء بالعنف وانعدام الثقة والارتياب»، من ذلك مثلا تنامى الصراع السياسي بين فئات المجتمع، وتعطل الحياة اليومية، وظهور «القوى الأكثر خبثًا والمتمثلة في الاضطهاد الذي تمارسه القبلية، والقيود المجتمعية، وتسلط رجال الدين، والنظام الأبوي، وحالة الريبة العامة والخوف الدائم»، إضافة إلى ازدهار ترويج الشائعات إلى الحد الذي لم يعد بالإمكان تبين من هو الخائن للقضية الأيرلندية؟ ومَن الذي لا يدعمها بشكل صحيح؟ ومن الذي قد يعمل جاسوسًا ضد القضية؟ وهي أسئلة تكشف عن نوع من العصاب المجتمعي الذي غذته حالة الطوارئ المستمرة المفروضة على المواطنين، وجعلت الكل يخشى الكل، ويحاول الإيقاع به، هذا إضافة إلى وجود السيارات المفخخة، وعمليات الإعدام، والمراقبة المستمرة للناس. ويبدو أن آنا بيرنز نجحت في اختيار زمن أحداث روايتها، وطرقت فيها موضوعا له صلة بالمناخ الحالي الذي تعيشه أيرلندا اليوم، من حيث تفشي المواقف التي تشجع على الكراهـــية وتمـــنع الاستقرار السياسي فيها، خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.


ولئن نوهت لجنة تحكيم جائزة مان بوكر بالمستوى الفني الرفيع لرواية آنا بيرنز، فإن كثرة من قرائها أعربوا عن كونها رواية ضعيفة فنيا، إذْ طغى عليها الحشو الذي سببه تكرارُ المشاهد وطول الفقرات، بدون وجود علامات تنقيط تفصل بين الجمل، إضافة إلى سيطرة ضمير المتكلم على السرد بشكل ضَيقَ من آفاق التخييل فيها، ناهيك عن تعمد الكاتبة تنكيرَ شخصيات روايتها تنكيرا شتت لدى القراء وحدتها المعنوية وصعّب عليهم الإمساك بخيط السرد فيها، غير أن الكاتبة بررت هذا التنكير بقولها: «لم تحفل روايتي بالأسماء، ولو فعلت ذلك لكانت قد فقدت قوتها ومناخها، ومن المرجح أن تصبح رواية أقل نجاحًا أو ربما تكون مختلفة قليلا عما هو موجود من روايات… لقد قمتُ بتسمية الشخصيات والأمكنة، ولكنني تنبهتُ إلى أن الأسماء جعلت الرواية ثقيلة وخالية من الحياة، وصار صعبا عليها التقدم في السرد، وهو أمر جعلني أتخلى عن الأسماء، بل إنني أحسستُ بأن الرواية نفسَها ترفض في بعض الأحيان أسماءَ شخصياتها».


ومهما يكن من أمر هذه الانتقادات الفنية لرواية «ميلكمان»، فالمؤكد هو أن كاتبتها قد عرفت كيف تدير علاقة الفصيح بالعامي في مروياتها، وهو أمر جعل الرواية قريبة من كل فئات القراء، وساعد على أن ترقى بعض مقاطع الحكي إلى مراقي الشعر، كما أجادت آنا بيرنز استثمار تقنية السرد غير الخطي لتراوِح بين الجِد والهزل، ولتستدعي نكات شعبية ومواقف اجتماعية تبلغ أحيانا مبلغ الكوميديا، وإضافة إلى تفكيك الكاتبة لأسباب التأزم السياسي في أيرلندا، فإنها لم تنسَ لفت الانتباه إلى الوضع المزري الذي تعيشه المرأة هناك، سواء داخل العائلة أو في الشارع، خاصة ما تتعرض له من تحرش جنسي صار الآن ظاهرة اجتماعية تؤرق مجتمعات أوروبا.