ليس الوضع بالمثالي في البلاد عموماً وحضرموت خصوصاً رغم مزاياها الخاصة إيجابياً - فهناك تداخلات غير مسبوقة وتراكمات وتربصات أيضاً تجعل المسؤولية مضاعفة. ومع كل ما يمكن أن يوضع من تحفظات على الأداء في إدارة البحسني محافظاً، فإن حديث الإقالة من عدمه إنما هو حديث الإرجاف الذي نعلم مصدره، وما دامت اللحظة استثنائية فإن المُقيل ليس أحرص على حضرموت من البحسني ولا هو أكفأ منه ولا أنزه وليس في سجله الإداري ما يشير إلى أنه يقيل لأسباب متعلقة بطبيعة الأداء، إن هي إلا لعبة خبيثة يستغلها من يظنون أن "صك" الشرعية سيبقى في أيديهم إلى ما يشاؤون، فهم يقيلون ويعينون ويعلون ويخفضون، بمزاج بارد ممزوج بخبث هو ما يجري في دمائهم الملوثة.

لم ألتقِ "بوسالمين" من قبل، لكني أُكبر فيه روحه وانتماءه، وأشفق عليه في الوقت نفسه ممن يحيطون به ولاسيما من أفرزتهم تشوهات المراحل السابقة حتى باتوا كائنات بلا دم، كما أشفق عليه من مُحدثي السلطة، ولاسيما من شاهت أفكارهم بمحشوات أحزاب الخراب ونفعياتها الميكافيلية.

حسناً، ليذهب البحسني - ولست مع ذهابه - فهل قرار الذهاب أوالإياب الذي هو في (أيادي أمينة) يتوخى المصلحة العامة أو يمارس عبثاً لاعتبارات تضرب حضرموت وسلامها الاجتماعي؟

البحسني جاء من ميدان المعركة والمواجهة المباشرة، ولم يؤتى به من غرفة استرخاء في فندق حكومي، لكنه كغيره له ما له وعليه ما عليه، وندرك أن حكومة اللصوص لا هم لها في ما يسمى بالمحافظات المحررة سوى تركها كالمعلقة بالمفهوم الفقهي، ليسهل عليها إدارة العبث بها، لأن معركة صنعاء بعيدة المنال، ولن يكون للشرعية مكان أو شرعية متى ما غادرت تلك المحافظات مرحلة الحرب التي لم يعد لها معنى حتى في معجم الفانتازيا أو الكوميديا السوداء.

البحسني رجل من حضرموت ليس في ملفه منذ 94 ما يدل على مشاركة بشكل أو بآخر في عملية التدمير الشامل والممنهج للبلاد التي خطط لها نظام عفاش وحلفاؤه إياهم، وكان آخر عهد البحسني بالمواجهة جبهة خرز ضد تحالف الفيد، ثم استأنف عهد المواجهة على رأس من حرروا المكلا من "قاعدة" مسلحة مازال لها خلايا مدنية في المجتمع وفي الجهاز الإداري أيضاً.

لذلك، فهو لم يفعل أكثر من تقديم أوراق انتمائه الحقيقي، وحرصه الأكيد - بمستطاعه - على إحداث انتقالةٍ أمنية وإدارية ما، رغم ما يحيط به من تداخلات وتعقيدات ومكايدات و(ملافخات) سياسية وحزبية بأدوات محلية، واقفة له في (الحنجور)، وهو مُكرهٌ، لاعتبارات قانونية، على التعامل مع شرعية لم يشهد التاريخ مثيلاً للا شرعيتها، وهو يدرك خبثها، كما يدرك أن المزاج الشعبي العام في حضرموت يعد هذه الشرعية من الماضي غير المأسوف عليه، كما يعدها جزءاً من نظام انتهاك حضرموت أرضاً وثروة وقراراً.

فقط، هي كلمة لم أجد من الممكن أخلاقياً السكوت عن قولها في هذه اللحظة بالذات، مدركاً أن في الثوب قملاً كثيراً قبصه أشد إيلاماً من قبص قمل الشرعية وأوجع!