إن التمييزَ الذي تمارسهُ الأمهات على بناتهنَ جُزْءٌ لا يتجزأُ من التمييزِ التقليدي بين الجنسين والذي يمارسهُ المجتمعُ بمختلفِ مكوناتهِ، إِلاَّ أنه يبقى الجزءَ الأصعبَ في الحكاية، باعتباره طَعْنَةً من الخلفِ وما هو أَشَّدُ مَرَارَةً من الخيانة وأشبهُ بِتخلِي الزَعيمِ عن عُرْفِ وتقاليِد عَشيرتهِ.

 

إننا النساءُ جميعًا لنا موقفٌ واحدٌ ومُوَّحَدٌ من التمييزِ بين الجنسينِ، لذا فَإنَّ فكرةَ تَحَيُّزِ حواءَ لآدمَ على حسابِ حواءَ أُخرَى، هو وَأْدٌ من النوعِ الخاصِ ومُساهمةٌ فِعليّةٌ منها في صنعِ مجتمعٍ ذكوريٍ.


فَأُمِّي التي تُحِبنِي كثيراً تُحبُ أخي أكثرَ مِني، أو لِنَقُلْ أَنَّهَا تُعبُر عن حُبِّهَا له بِصُوَرٍ أَبْلَغْ؛ فَهي لا تُفوتُ أيةَ فُرصةٍ لِتُخبرهُ فيها أَنَّهُ سَنَدُها وعِزْوَتُها.

هو بَوْصَلَتُها أَيَّامَ الشَّتاتِ وعُدَتُها للصِعابِ وأنَّ بَيْتَنا في غِيابِهِ جَحيمٌ لا يُطَاقْ.

في مجتمعنا المغربي، كثيراً ما تُعِدُ الأمُّ وجبةَ الغذاءِ وِفْقَ طَلَبِ الابن الوَلد، وتُشاهد الأُسرةُ الِتلفازَ على حسب مِزاجِ الابن الولد وتُخطط للسفرِ إِتباعًا لِرغباتِ الابن الولد.. إننا دون أَنْ نُدرِكْ، نَجعلُ من الولدِ اليَدَ الخَفِيةَ المُتحكِمَةَ في شؤون البيت.. وذلك بِطِيبِ خاطِر الأبِ وتِرْحابٍ كبيٍر من الأم، مع غَيْظٍ شديدٍ من الإخوةِ البنات.


ومهما كانت هذه الأخيراتُ قويات، مكافحات وبِألفِ رَجُلٍ، فَإن نجاح الولد يَظلُ النجاحَ الأكبر.. تنطفئ مصابيحُ البناتِ فجأةً إذَا أشعلَ الولدُ شَمْعَتَهُ، وإِنْ أَهْدَتِ البنتُ أُمَّهَا باقةَ وردٍ سَتَفْرَحُ حَتْمًا، ولكنها سَتَرْمِيهَا عندما ُيقِدمُ لها الابن وردةً واحدةً فقط! فِعْلًا كل ما يأتي من جهة الولد له نكهة خاصة! وإني لا زلت أتذكر ما قالتْهُ أُمِّي إِزاءَ موضوع تَعَلُّقِهَا بأخي "إني مرتبطةٌ بأَخيكمْ بِلَالَ جِداً، لدرجة أن الحياة من دونه لن تكون صعبةً بَلْ مستحيلةً.. قد أَموتُ وَجعًا على فِراقهِ".


وليست أمي الوحيدةَ التي تُفَضِلُ ابنها الذكر، أُمهاتٌ كثيراتٌ يَفْعلنَ ذلك، فقد حَكَتْ لي إحدى صديقتي أنها لن تَنْسَى مَوْقِفاً جَعلها تَتيَّقَنُ أنها ابنة من الدرجةِ الثانيةِ مُقارنةً مع اخيها البِكر، قالتْ لي وعَيْنَاهَا تفيضان دموعاً "لم يَكُنْ مَرَضِي كَافياً لِتَقُلَنِي أمي إلى المستشفى رغم أن حالتي كانت صعبةً، لكنها فَعلتْ ذلك مع أخي بعد ارتفاع طَفِيفٍ في درجةِ حرارةِ جِسمهِ".

وابنة خالتي هي الأخرى تقول وهي تضحك "فَشَلُ أخي مَقْبولٌ ونَجِدُ له أَلْفَ مُبَرِرٍ، أما نجاحي فهو مَحْضُ صُدْفَةٍ.. عَودةُ أخي ليلاً لَحظةٌ تَاريخيةٌ بالنسبة ِلأُمِّي التي تَستقبلُه بالقُبُلات والدعوات.. بينما أنا غالبًا ما تكون في انتظاري قائمةُ الأشغالِ التي يَجِبُ علي القيام بها".


ربما لم تَنْتَبِهْ أُمَّهَاتُنا لما يَفْعَلْنَهُ، رُبَّمَا يبدو الأمُر عاديًا بالنسبة لَهُن، ولكنها لِلأَسَفِ مَوَاقِفُ من شأنها أن تَبْنِيَ حاجِزاً مَنِيعًا بين الأم وابنتها، والأخطر من ذلك هو أننا نَسْقُطُ في دَوامةِ المُقارنةِ العقيمةِ بين الأخوة.

إن الموضوعَ أَبْعَدُ من مَواقِفَ مَرَّتْ فحسب، وإنما سلوكياتٌ تَنعكسُ سلبًا على حياتنا، خاصةً وإِنْ تَمَّتْ مُمارَسَتُها في مرحلةِ الطُفولة أو المراهقة اللَّتينِ نَرسُمُ خلالهما الخطوطَ العريضةَ ِلِشَخْصياتِنَا، وأَظُنُّنَا في غِنَى عن جِيلٍ يَحْمِلُ عقداً وأمراضًا نفسيةً مِثْلَ الحقدِ والغيظِ والُمقارنةِ الخَاطئةِ والتَخَوُفِ من الجنسِ الآخِر وكُرهِهْ.


وحَتَّى نكونَ مَوضوعِيين، فإن مسألةَ انحياز الأم لابنها وتَقَرُبِها منه أكثر من إخوتهِ البنات يُمكن تفسيرها علميًا، حيث أثبتتِ الدراساتُ أن نسبةَ الحنانِ عند المرأةِ هو 90 بالمئة بينما عند الرجلِ 10 بالمئة، وهذا ما يَجعلُ علاقةَ الأمِ بابنها مُحَقِّقَةً لِنِسْبَةْ 100 بالمئة، ومُتوافِقةً بنفس المنطقِ بين الأب وابنته.


إذن! أمهاتنا الحبيبات والغاليات على قلوبنا.. صِرْنَا نَعْرِفُ أَنَّ مَيْلُكُنَّ أمرٌ طبيعي، ولكن أَرجُوكُنَّ اجْعَلْنَهُ مَيْلاً طَفِيفاً لَطِيفاً بلا ضَرَرٍ.

بالنسبة لي، ما يَساعدني على تقبل الموضوع وتجاوزه، هو وجودُ أبٍ حنونٍ ومُتَحَيِّزٍ هو الاخَر؛ ولكن هذه المرة لِصَّفِ البنات.. شخصياً لا زالَ أَبي مُحافظاً على اهتمامه بتلك التفاصيِل الصغيرةِ التي تُسعِدُنِي، لا زال يُدَلِلُنِي كَالأطفالِ مع العلم أن عُمرِي 27 سنةً.. إلى يومنا هذا لا زال أبي يَتَسَلَّلُ ليلاً لغُرفتِي حتى يَتأكَّدَ أن غطاءَ الفراشِ في مكانهِ، ولا زال يُقشِرُ لي فاكهةَ الرُّمانِ ويُقدمُ لي حبَّاتِهِ في طَبَقٍ من حُبٍّ.

مِثْلُ هذه الأمورِ تَجعلُني أميرةً في بيتِ أبيها، ومُتَغَاضَةً عن أي مُعاملاتٍ مَلَكِيَّةٍ ِلوَليِ العهد!