كثيرة هي حوادث العنف التي شهدتها حضرموت خلال السنوات الماضية، ولاتزال تشهدها بعض مناطقها لاسيما في مديريات الوادي، وتنوعت بين كونها اعمال تفجير واختطاف واغتيالات، استهدفت في أغلبها عدد من المشتغلين في السلك الأمني والعسكري ولم يكن المدنيون في منجى منها، وكانت دائما مثار جدل ونقاشات بين عدد من النخب الفكرية والاجتماعية في المحافظة، حول خطورة التطرف والجنوح نحو العنف عند بعض الشباب، ممن تولدت لديهم قناعات خاطئة وغير عقلانية بشأن عدد من القضايا ومايدور في العالم من حولهم، وشكلت هذه الحوادث ظاهرة غريبة وطارئة على مجتمعنا الذي عرف بسلميته ونبذه للعنف، وميل أفراده الى الحوار في حل خلافاتهم واختلافاتهم، وتعود ظاهرة العنف التي برزت في مجتمعنا الحضرمي في السنوات القليلة الماضية إلى التحول الكمي وليس النوعي الذي حدث في بعض الاتجاهات الفكرية، التي ساعدت على بروز بعض العوامل الكامنة التي أفرزتها بلاشك المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها مجتمعنا بعد عام 1990م.
وقد طرأ على مجتمعنا خلال العقود الثلاثة الماضية وخاصة في أوساط الشباب نوعان من أنماط التفكير المتطرفة، كل منهما يمكن أن يفهم بأنه مناقض للآخر. الأول فكر متزمت رافض للآخر ولايتقبل اي رؤية أو فكر لا يتماشى مع قناعاته المسلقة، حتى وإن كانت هذه القناعات لاتنسجم مع الواقع. والنمط الآخر عباره عن فكر منفلت بدون حساب، وذي شطحات كبيره في طروحاته، وهو فكر يقفز على الواقع، وبين هذا الفكر وذاك غاب الفكر المستنير الواثق والرصين، المتفهم للواقع، والمتقبل للآخر ولديه من الشجاعة لان يتقدم نحو الآخر من أجل تقصير مسافات الاختلاف ومستعد للتجديد.
وكون هذه الأنماط من الفكر، المتطرف والمنحرف، يتسبب في كثير من الأفعال المؤلمة للمجمتع، فإنه من المهم جدا التوقف أمامها ودراستها، بغرض فهمها فهما دقيقا، لوضع النقاط على الحروف كونها ظاهرة متفاقمة يوما عن يوم، بدلا من التعامل معها كما جرت العادة بكنسها تحت السجادة، بانكار وجودها احيانا أو التقليل من خطورتها في أحايين اخرى، وكم أتمنى لو توفرت لدينا مراكز مختصة، أو حتى أقسام بحثية في الجامعة، لدراسة هذه الظاهرة بشكل علمي دقيق، يبتعد عن التعميم المفرط أو الأسلوب الوعظي الانشائي الذي لم يعد يجدي نفعا مع شباب انفتحت عليهم ابواب الفضاء بشتى أنواع الأفكار والايدلوجيات والبرامج الإعلامية الموجهة.
ومن أجل أن نقيم الأمور على النحو الصحيح، يجب علينا اولا التخلي عن الوهم الذي ظل سائدا بين كثير منا بأننا عيش في مجتمع ذي بعد فكري واحد فقط، مجتمع لاوجود للاختلافات الفكرية والايدلوجية فيه، وعلى أننا جميعا نفكر بنفس الطريقة، ولكن في الحقيقة مانحن إلا جزء من هذا العالم الكبير، تتشكل رؤانا وقناعاتنا بحسب تجاربنا الشخصية فيه، فمنا المحافظ ومنا الاقل محافظة، ومنا الليبرالي والانفتاحي والمتدين والأقل تدينا وغير ذلك، وهذه حقيقة لاجدال فيها أو مكابرة.
والحديث بين هذه الأطياف الاجتماعية المختلفة، ومحاولة توحيدها، هي عملية منافية للواقع، وتتناقض مع روح الحوار ذاته، كون محاولة كهذه هي محاولة لاستبعاد الأسباب التي استوجبت الحوار وهي الاختلافات في المقام الاول، وهذه في حد ذاتها مسألة صعبة إن لم تكن مستحيله، ولذلك الأجدر بنا هو أن نحاول بدلا من ذلك، العمل على التأسيس لحوار هادف ومقنع للجميع بالتعايش مع الآخر، وتقبل الاختلاف كوضع طبيعي في المجتمع، بل تقبله على أنه ظاهرة صحية وضرورية، وآن الأوان لأن نشرع لحفظ حق الناس في الاختلاف المشروع ضمن الإطار العام.
وفي رأيي ان كل الاختلافات القائمة هي حول قضايا فرعية أو سطحية ولا تتعلق بالجوهر، لأننا جميعا جزء من مجتمع مسلم واحد، لا أن البعض يصر ومن باب التوجس أو سد الذرائع على التضييق على مثل هذه الأمور خوفا من عواقبها، وهذا الأمر طالما أكدت التجارب خطأه فيما بعد، وان اللجؤ بافراط الى هذا الباب في رأيي قد يشخص في ذاته كذريعة يجب سدها، خاصة إذا تطور الأمر إلى قذف كل من لديه راي مخالف حول بعض القضايا التي وسع الله فيها لعباده، خاصة وأن أغلبها يتعلق بجوانب اجتماعية أو تربوية، وغيرها من الأمور التي تفرضها ضرورات الحياة دون أن يطعن بعضنا البعض في نزاهته أو دينه.
والمؤسف أن ساحتنا اليوم باتت مليئة بالقوالب الجاهزة للتهجم والتشويه، تستخدمها الأطراف المختلفة ضد بعضها البعض، منها عبارات التصقت بها جزافا معان ثانوية إضافية راكمتها سنين من الاستخدام المفرط كادوات للتشهير والتهجم والتخويف، مثل الاتهام بالانحراف الديني والزندقة، وغيرها من العبارات التي تعتبر من جوامع الكلم العائم، الذي لايدل على معان محددة، ويشمل ذلك أيضا وصم الناس بالتطرف أو التزمت أو الإرهاب لمجرد التزامهم بمظاهر تدل كونهم متدينين.
هذه العبارات تصبح أكثر خطورة عندما ستخدمها فئة من الناس لاتجهد نفسها بالتفكير والاطلاع وتريد معلومات جاهزة لتصدقها، أو مواقف محددة من قبل الآخرين لتتبناها، وهي عادة ورثناها من بقايا مرحلة سياسية واقتصادية تعطلت بسببها رغبة البعض في التعلم والتأهيل المهني والثقافي والمعلوماتي، وأصبحوا حالة من الكسل الذهني، ويرون في التفكير فرض كفاية، يفكر بموجبه البعض ويتبع الكل، فبقدر ما اننا بحاجة إلى التشريع ضد قذف الناس بمثل هذه العبارات أو تعريضهم للتهجم الشخصي، فالحاجة تظل ملحة إلى تثقيف شبابنا وافهامهم احسان النية والظن في فهم الآخر، واحترام رأيه هو فرض عين يوجبه الحفاظ على سلامة المجتمع وتماسكه وتقدمه.