صاحبت التحولات الاجتماعية والاقتصادية في منتصف القرن العشرين إلى تغير كبير في حياة المرأة العدنية،حيث تمكنت للخروج إلى سوق العمل والمشاركة في القوى الوظيفية،وبهذا الصدد قدمت الباحثة أسمهان العلس في كتابها "أوضاع المرأة اليمنية في ظل الإدارة البريطانية في عدن بالفصل الرابع الخاص بميدان العمل عن بدايات عمل المرأة والتي تركز في الحرف الشعبية،وكانت هذه أول المهن التي عملت بها المرأة العدنية ويرجع ذلك بسبب ممارستها لها منذ وقت مبكر.

وبمرور الوقت ظهرت حِرف ذات علاقة بتكوينها الأنثوي كعمل البخور والعطور والأطباب ونقش الحناء والخضاب وتجهيز العروس وتأجير الحلي الذهبية للأخريات وطحن البذور والأعشاب التجميلية وتنظيم الحفلات الغنائية وجلسات الزار والموالد بالإضافة إلى عملها في المداوة الشعبية والتوليد وبيع الخضار الفواكه والصياغة والحياكة وصيد الأسماك،وفي هذه الفترة تركز عمل المرأة العدنية في التجارة الصغيرة والحِرَف كما أشارت إليه العلس.

المهن الرسمية

ذكرت الباحثة عن الأعداد الأولى من العاملات التي كانت في الغالب من ذات الأصول الصومالية والهندية ممن استوطن عدن منذ وقت مبكر حيث عملن في تنقية اللبن واللبان والأعمال الخدمية في الميناء.

وفي العام 1959م صدر خطة العدننة والتي ساعدت على اتساع فرص العمل أمام المرأة في مجالات مختلفة وأولها المهن الصحية فعندما أنشأت الإدارة البريطانية قسم التمريض في المستشفى الحكومي،وربطت التأهل لممارسة هذه المهنة بنظام تدريبي لمدة ثلاث سنوات، وامتد تطوير ظروف الالتحاق بالمهنة ليشمل التحديث المؤسسي كذلك كما تقول الباحثة.

المهن التعليمية

وأشارت الباحثة هنا عن الأعوام التي سجلت نقلة نوعية في مهن التدريس التي تعد في المرتبة الأولى من حيث أعداد المنخرطين فيها.وكان عام 1934م التسجيل الرسمي للمرأة في قوام الممتهنين.وكانت نور حيدر سعيد أولى الملتحقات في الخدمة التعليمية للحكومة،وبعدها توالى التحاق مدرسات أخريات،وبعد ذلك ظهرت وظيفة مساعد ضابط تعليم البنات وذلك في عام 1938م.

وأردفت أنه عند اقتحام المرأة للوظيفة العامة،حيث أشغلت عدد من النساء منصب مساعدة ضابطة معارف،واعتبرت أعلى درجة وظيفية في تلك الفترة. وتزايدت أعداد الملتحقات للمهنة في عام1966م حتى وصل إلى 181مدرسة.

المهن الإعلامية

واستهلت الدكتورة العلس في هذا الجزء بالحديث عن عمل المرأة العدنية في الإذاعة والذي كان في عام 1954م عند تأسيس المحطة الإذاعية من قبل الإدارة البريطانية،حيث عملت في البداية كعاملة تلفون، وكانت أولى الملتحقات في قسم التلفون أسمهان بيحاني،وعندما تحولت البرامج لبرامج يومية اعتمد على عدد من السيدات وهن صفية لقمان،فوزية عم،ماهية نجيب،نبيهة محسن،نجاة راجح،عزيزة عبد الله".

وأضافت بقولها "استطاعت أسمهان بيحاني أن تعمل كأول امرأة وظيفة مراقبة صوت وتلتها عايدة صالح في وظيفة ضابطة صوت. وعند ظهور المكتبة الصوتية للأشرطة الإذاعية تولت أسمهان بركات وفوزية جوباني وفوزية أحمد عوض.

وأردفت،بعدها شغلت المرأة وظيفة مذيعة وكانت أوائل المذيعات هن عديله غالب وفوزية غانم. وفي عام 1964م تم تأسيس التلفزيون الرسمي لعدن واجتذب المرأة للعمل في إطاره مستفيدا من الكفاءات النسائية المؤهلة في صفوف الإذاعة.

وأنتقلت الباحثة إلى الصحافة التي اعتبرته المرأة العدنية مجالاً جديداً للإثبات ذاتها في المجتمع.وفي عام 1960م أسست ماهية نجيب أول مجلة عرفت باسم فتاة شمسان وأشرفت على تحريرها وتمكنت عبرها من عرض ومناقشة قضايا المتعلقة بتعليم المرأة وأوضاعها الاجتماعية.

واستطردت،لعبت الصحيفة دورا ايجابياً في تغطية حركة النساء المعتصمات في مسجد العسقلاني وأشرفت رضية إحسان غمار على تحرير ركن المرأة في صحيفتي البعث والعمال،ومن أهم الموضوعات فيها هو موضوع الحجاب والسفور،كما أشرفت هانم جرجرة على تحرير ركن المرأة في من صحيفة اليقظة.

ونوهت إلى أن الصحافة كان لها دورا كبير في إتاحة المجال أمام المرأة لعرض إنتاجها الأدبي،وأفسحت الصحف العدنية الفرصة أمام كل من شفيقة أحمد زوقري وسامية محمد محمود وغيرهما لنشر القصص القصيرة.

وبرزت المرأة في مجال الفن وكانت أول أغنية تسجل عبر الإذاعة لرجاء حامد أول،كما سجلت نبيهة عزيم أولى أغانيها في الإذاعة في عام 1959م بحسب العلس.

الوظائف الكتابية

ترجع الباحثة ظهور الوظائف الكتابية إلى تأسيس الدوائر والمصالح الحكومية التي برزت بعد انتقال عدن إلى وزارة المستعمرات البريطانية في عام 1937م،كما خطتت سياسة العدننة لخلق الظروف المناسبة لرفع مستوى التأهيل للمنتسبات إلى هذه الوظائف، وذلك بواسطة الربط بين الاشتغال بها واستمرار التدريب المتصل بمهامها.

وأشارت أن في عام 1966م أظهرت حكومة اتحاد الجنوب العربي تشجيعا ملحوظاً لتوظيف المرأة في المهن الكتابية، وفي عام 1957م بلغ عدد الموظفات في القطاعات الحكومية والخاصة حوالي163 موظفة،وارتفع عددهن في عام 1961 إلى 215 موظفة،ومع البدء بتنفيذ توجيهات خطة العدننة اتسع إطار الملتحقات بالمهن المرتبطة بالميناء والبنوك والقطاعات التجارية والمواصلات.

وقالت أنه وصل عدد الموظفات فيها في عام 1965م إلى 389 موظفة،ووصل في عام 1966 إلى 405 موظفة . واحتل الوظائف الكتابية المرتبة الثالثة بعد التدريس والتمريض في مستوى العمالة النسائية الملتحقة فيه.

وكانت هذه بدايات نضال المرأة العدنية في اخترقها لميدان العمل،حيث احدث خروجها إلى تشكيل وعي جديد، وبدلت النظرة إليها وتفعيل قدراتها وأعطاها فرص للعمل.

وأصبحت المرأة التي ثقافتها متزايدة مصدر قوة مجتمعيه لا يمكن إغفالها،كما عزز لها الاستقلال المادي القدرة على إعالة نفسها وأسرتها ، وتحمل أعباء الأسرة والتزاماتها مع الرجل.

ويذكر أن الدكتورة أسمهان العلس هي أكاديمية عدنية تشغل عضو الهيئة التدريسية لجامعة عدن- قسم تاريخ , مدير البحث العلمي للعلوم الاجتماعية،نائب رئيس وحدة بحوث ودراسات المرأة،الأمين العام للجمعية اليمنية للتاريخ والآثار،عضو الهيئة الاستشارية لوزارة حقوق الإنسان ، وسبق لها أن أصدرت عدد من الكتب .