(١)
لعل المشكلة التي نواجهها في تدريس النقد للطلاب لا تكمن في فهم المفاهيم واستيعاب الأفكار والمقولات، بقدر ما تكمن في تحويلها إلى ممارسات تطبيقية. وتقريبها، ووضعها في أمثلة مناسبة بسيطة وعملية، توصّل الفكرة للذهن وتثبّتها بطريقة تجمع معا بين المتعة والاكتشاف والفائدة. من ذلك نظرية جاكوبسون في التواصل اللساني ذات العناصر الستة، وما يقابلها من وظائف، ولعل الوظائف الثلاث: الانفعالية، والشعرية، والإفهامية هي الوظائف التي يمكن تمثيلها في الأدب وفي النصوص الفنية المجاورة له كبعض الأغاني والخطب، وأكثر هذه الوظائف صلة وإنتاجا الوظيفة الشعرية؛ تلك التي طور جاكوبسون فيها ثنائية أستاذه دي سوسير في محوريه العمودي والأفقي، الإيحائي والسياقي القائمين على الاختيار- القائم على مبدأ الاختلاف الأساس في توحيد ثنائيات اللغة -حيث فتق هذه الثنائية إلى مصطلحين جديدين ( الاختيار والتأليف ) محددا قانون الشعرية في إسقاط مبدأ التعادل من محور الاختيار على محور التأليف مكتشفا الوسيلة الفنية المنظّمة لهذا الفعل في التوازي، أو التعادل، أو التوازن ...حيث تتوازن المتقابلات والمتعارضات والبدائل والمتشابهات لإحداث الشعرية في ثنائيات واسعة حددت البلاغة العربية منها جزئيات تصنيفية منفصلة كثيرة جدا في درجتين من التشعير: قريبة متماثلة تصل إلى التجاور، وبعيدة متخالفة تصل إلى الاستبدال .
(٢)
كنا نحاول أن نمثل على الوظيفة الشعرية في درجتها الاستبدالية فاقترحنا مع الطلاب نصا ارتجاليا بسيطا (( لمعلم يخاطب تلميذا وينصحه بترتيب كلامه ثم يفتح كتابه من أول السطر فيه، وقراءة نشيد الصباح، ثم يأمره ناصحا بالاستماع، وعدم الالتفات للشبابيك، وعدم الالتفات للوراء، والاستماع للمعلم وهو يفسر ويشرح لهم بعض الجمل )) هكذا:

رتّب (كلامك)
وافتح (كتابك) من أوّل (السطر)
واقرأ نشيد (الصباح)
اسمع (الصوت)
لا تلتفت باتجاه (الشبابيك)
لا تلتفت (للوراء)
واستمع (للمعلم)
وهو يفسّر (للصف) بعض (الجمل)

وهو نص بسيط تم إخراجه بشكل موزون، لكن الشعرية فيه تقترب من النظم جدا بحيث يمكن أن نقرأه في ضوء الوظيفة ( الإفهامية ) بسبب الأوامر والنواهي والطلباب والمخاطبات التي اعتمدت عليها صياغته، وربما ( المرجعية ) بسبب المعلومات الحقيقية المتطابقة مع الواقع. لكن كيف ننقل النص من النثر إلى الشعر بتشغيل ( الوظيفة الشعرية ) عبر تطبيق قانونها السابق عن طريق الاختيار الذي هو استبعاد لكثير من الكلمات والإبقاء على أجملهن دلالة، بحيث تتعادل معها شعرية الكلمات، وتنتقل الوظيفة إلى الشعرية.
(٣)
لو أخذنا السطر الأول: رتب ( كلامك ) فإن هناك مجموعة من الكلمات المحتملة القابلة للاستبدال والاختيار والاستبعاد مثلا : رتب هواءك، رتب حمامك، رتب حضورك، رتب غيابك، رتب غمامك، رتب ثيابك ... ثمة كلمة واحدة هي التي تكون أقرب للاختيار والتعادل والانسجام الشعري وقد اختار الطلاب بعد مناقشة واستبعاد الكلمات غير المناسبة كلمة (غمامك)، وهكذا فعلنا مع بقية المقاطع والأسطر في الكلمات اللاتي بين الأقواس في مواضع الاستبدال في مناطق المفعول به، والمضاف إليه، والمجرور بحرف الجر، وفي جو من المناقشات والأسئلة، والاختيارات والاستبعادات والاكتشافات الممتعة لكثير من الكلمات الغريبة، والعجيبة، والقريبة، والبعيدة، والمناسبة وغير المناسبة، والجادة والمضحكة، وصلنا في النهاية إلى كتابة قصيدة جميلة هكذا:

رتب (غمامك)
وافتح (ترابك) من أول (القطر)
واقرأ نشيد (الجراح)
اسمع (الصمت)
لا تلتفت باتجاه (المواويل)
لا تلتفت (للزمن)
واستمع (للمتيّم)
وهو يفسر (لليل) بعض (الشجن)

الشكر الجزيل لطلاب وطالبات الصف الرابع، لغة عربية، على المشاركة والتفاعل في هذه التجربة، خصوصا الطالبين عمر سالم بن هشلان، وسعيد باسعيدة، ومبارك للجميع التخرج، ووفقهم الله في حياتهم العلمية والعملية.