يوما بعد يوم تزداد أهمية حفظ وصون وحماية التراث الثقافي بكل مكوناته وأشكاله، ليكون شهادة حقيقية على الإرث الغني الذي حافظ عليه وطوره الأجداد على مر العصور، ودعامة متينة في تعزيز الهوية الوطنية والشعور بالفخر بهذا التراث العريق وفي الوقت الذي تزداد فيه أهمية مشاريع حفظ التراث الثقافي في المنطقة العربية، تزداد الحاجة أيضاً لرصد هذه المشاريع، والتعريف بها، ومشاركة الدروس المستفادة والنتائج المستقاة، وفوق ذلك كله الاحتفاء بها وتكريمها

انطلاقاً من هذه الحاجة، أطلق المكتب الإقليمي لحفظ التراث الثقافي في الوطن العربي (إيكروم الشارقة)، برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، قبل عامين جائزة ايكروم- الشارقة للممارسات الجيدة في حفظ وحماية التراث الثقافي في المنطقة العربية، وهي تعتبر واحدة من أهم جوائز التراث الثقافي في المنطقة وتُمنح مرة كل سنتين، وتهدف إلى تكريم ومكافأة الأعمال المتميّزة التي تسهم في حماية التراث الثقافي المادي وإحيائه في العالم العربي

تضم الجائزة فئتين رئيسيتين، هما فئة المواقع والمباني، وفئة المجموعات، ويتم منح جائزتين وفقاً لذلك ويسلط برنامج الجائزة الضوء على الممارسات الجيدة في حفظ التراث الثقافي وإدارته من حيث المهارات الفنية المستخدمة وكذلك الأثر الاجتماعي والاقتصادي للمشروع على المجتمعات المحلية ويتم تقييم الحماية التي وفّرها المشروع بمدى فعاليّته في حفظ التراث الثقافي من التهديدات المنظورة الطبيعية منها أو البشرية وقد ينطوي المشروع على تقنيات الإنقاذ والتسجيل، وأعمال التدعـيم والإصلاح، أو الترميم وإعادة التأهيل، أو إعادة الإعمار والبناء بعد الدمار

وتبدو شروط المشاركة في المسابقة كما أعلن عنها مكتب ايكروم الشارقة عملية وميّسرة، إذ يسمح لأي عضو مؤهل لتمثيل مشروع حفظ التراث الثقافي في المنطقة العربية أن يتقدم للمشاركة في المسابقة، سواء كان المشروع تم تنفيذه من قبل المؤسسات العامة أو الخاصة أو مؤسسات القطاع المشترك أو بمبادرات القطاع الخاص بينما لايتم الأخذ بعين الاعتبار حجم أو ميزانية المشروع، بل الأثر الاِجتماعي الذي يشكله على أصحاب العلاقة، كالمجتمع المحلي الذي يعتبر نفسه "مالك" هذا التراث، أو المجتمع المستفيد منه، والفرص التي يتيحها من خلال إعادة استخدام التراث أو زيادة تقديره من الجمهور العام كما ينبغي أن يكون العمل قد أنجز خلال السنوات الثلاث الماضية، ويمكن تقديم المشاريع التي ما تزال قيد التنفيذ إذا كان قد تم إنجاز جزء كبير منها بنجاح وإذا كانت أيضاً تفي بالمعايير المطلوبة

استطاعت الجائزة، رغم عمرها القصير نسبياً، أن تحظى باهتمام كبير من قبل المهتمين والمتابعين لشأن التراث الثقافي في المنطقة العربية والعالم، وعكست حاجة حقيقية للتعريف بالمشاريع الرائدة والملفتة التي تعنى بالحفاظ على الهوية الثقافية والتراث الغني والمتنوع في المنطقة العربية والاحتفاء به واستقطبت الجائزة أعداداً كبيرة من مشاريع التراث الثقافي في دورتها الأولى قبل عامين، وتنوعت هذه المشاريع والمجالات التي تغطيها، كما تعددت الدول التي تمثلها، حيث شملت القائمة القصيرة 14 مشروعاً متميزاً من مصر، والجزائر، وفلسطين، وسورية، والمملكة العربية السعودية، ولبنان، وعُمان، والأردن، واليمن

وعلى الرغم من فوز مشروع واحد بالجائزة في دورتها السابقة، وهو مشروع إحياء المركز التاريخي في بيت ساحور، فلسطين، إلا أن جميع المشاريع الـ 14 التي تم اختيارها حصلت على التكريم والتقدير الذي تستحقه من خلال اختيارها جميعاً ضمن القائمة القصيرة للمشاريع المرشحة للجائزة من بين العشرات من المشاريع المتقدمة كما تم تكريم جميع هذه المشاريع ضمن حفل الجائزة الذي أقيم في الشارقة في فبراير من عام 2018

بينما نسلط الضوء في هذا التقرير على أهم المشاريع التي تم اختيارها ضمن القائمة القصيرة للجائزة في دورتها السابقة من منطقة الخليج العربي، ونعني هنا ثلاثة مشاريع متميزة من المملكة العربية السعودية وعُمان واليمن، نتمنى أن تكون هذه المشاريع حافزاً حقيقياً لمشاريع أخرى مماثلة من كافة الدول العربية من المحيط إلى الخليج للترشح والمنافسة للحصول على جائزة ايكروم- الشارقة للممارسات الجيدة في حفظ وحماية التراث الثقافي في المنطقة العربية في دورتها الحالية، خاصة وأن مكتب (إيكروم الشارقة) أعلن منذ فترة عن تمديد الموعد النهائي لقبول طلبات المشاركة في المسابقة لغاية الأول من ديسمبر 2019، في خطوة ملفتة تسمح من مشاريع حفظ التراث الثقافي، ذات الأهمية البالغة للمجتمع المحلي أو المجتمع الأوسع، الاستفادة من هذه الفترة الزمنية الإضافية والتقدم للجائزة

وفيما يلي ملخص عن أهم المشاريع التي تم اختيارها ضمن القائمة القصيرة للجائزة في دورتها السابقة من منطقة الخليج العربي

استراتيجية إدارة موقع شبام، حضرموت، اليمن

يشرح المشروع منهج استراتيجية الإدارة لموقع مدينة شبام حضرموت في اليمن الذي اتبعه مكتب الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية في ظل تحديات الحرب والأزمة السياسية في اليمن للمرحلتين: 2011-2014،و 2015-2017 يعد إدارة موقع مدينة شبام منهجا وبرنامجا لإدارة موقع تاريخي في زمن الأزمات والحروب، وقد تضمن عددا من الإجراءات والحلول في ظل غياب الدولة وضعف القوانين وتوقف الميزانيات المالية لمواجهة تحديات المدينة ومتطلبات المجتمع المحلي في حدها الأدنى

تهدف استراتيجية المشروع إلى اتباع مبدأ الاستدامة سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي فقد أُدخِلت أيدي عاملة جديدة من الشباب في أعمال البناء بالطين، وهذه العمالة يمكن أن تستمر في هذه المهنة فتطور من مهاراتها الفنية بينما يعود نجاح الاستراتيجية إلى المجتمع المحلي الذي كان هو العامل الأساس لتنفيذ سياسة الحفاظ بمختلف محاورها

أما أهمية المشروع فتكمن في عودة جميع الأسر التي نزحت من مدينة شبام أثناء الاشتباكات المسلحة والتفجيرات بجوار المدينة، مع زيادة الشعور بانتمائهم لتراث مدينة شبام؛ والمشاركة في عملية التنمية الاقتصادية والتخفيف من الفقر والتقليل من البطالة وايجاد فرص عمل اثناء اعمال الترميم من اجل إحداث تنمية اقتصادية على مستوى المجتمعات المحلية؛ وغياب أي مخالفة أو تشوهات معمارية تذكر في سجلات المنظمات الدولية؛ وتحقيق تفاعل مجتمعي وإعلامي عبر البرامج الإذاعية والمواقع الالكترونية؛ وأخيراً مشاركة المرأة في بعض أنشطة مشروع الاستراتيجية (ورش العمل)

حماية محراب مسجد العوينة في عُمان

يعتبر محراب مسجد العوينة، الذي صنعه طالب بن مشمل المنحي في 970هـ/ 1562م، شهادة نادرة على التقاليد الدينية الإباضية في عُمان خلال القرن السادس عشر الميلادي نُحت المَعْلم التذكاري المسطح المصنوع من الجص التقليدي (الجير والجبس والرمل) بالسكين ويحتوي أعلى المحراب على نقش الشهادتين بالخط الكوفي؛ وهذا ما يميز المحاريب العُمانية التقليدية المنحوتة بينما يتضمن أسفل المحراب المقوس جزء محزز يظلله، ويحتوي الإطار الخارجي المستطيل على 30 ختما من زخرفة الأزهار، ويتمركز المحراب نفسه على تجويف الإطار الداخلي، ويقع أعلاه شكل مستطيل مزخرف بنقوش على شكل مثلثين، وفي المنتصف ثلاث أواني من الخزف الصيني

تضمن مشروع حماية محراب مسجد العوينة سلسلة من العمليات الدقيقة بدأت بتجزئة المحراب إلى (14) قطعة، أُزيلت وفقا للأساليب المستخدمة في التعامل مع الجص بعد ذلك تم تنفيذعملية دعم لهيكل المحراب في الموقع، وإعداد الأجزاء المختلفة وحمايتها، واستخراج قطع المحراب، وعلاج الوجه الخلفي للمحراب، وإزالة قطع المحراب من الموقع، ونقل المحراب إلى المتحف الوطني، والتوصيل والتركيب في قاعة عظمة الإسلام، ومن ثم أخيراً إعادة تجميع القطع في الموقع

اُختير المتحف الوطني بسلطنة عُمان لعرض المحراب باعتباره إحدى اللقى المميزة المعروضة، ليصبح جزءا من الذاكرة الجماعية للأمة، التي تمثل علاقة وطيدة أخرى بين البشرية، والروحانية، والفن، والأرض والطموح للقطعة، من وجهة نظر متحفية، هو النشر العلمي وحماية التراث الثقافي وستكون هذه القطعة نقطة مرجعية للتراث التاريخي والفني للأجيال العُمانية القادمة، وهي نقطة انطلاق لنشر ثقافتهم على الصعيد العالمي في مواجهة عالم متغير ومتضارب

مشروع حفظ جبل القارة بالإحساء وتطويره، المملكة العربية السعودية

جبل القارة هو من أبرز المعالم السياحية الطبيعية في الأحساء، وكان يعرف بجبل الشبعان وهو من المعالم المعروفة منذ قديم الزمان، ويتميز بكهوفه ذات الطبيعة المناخية الفريدة التي تخالف على الدوام أجواء الطقس السائدة خارج الجبل، فهي باردة صيفا ودافئة شتاء يتضمن مشروع حفظ جبل القارة وتطويره العمل على تحويله من معلم طبيعي فقط إلى مَعْلم طبيعي سياحي ثقافي تفاعلي يجمع بين جمال الطبيعة والإرث الحضاري الموغل في القدم لجزيرة العرب والتاريخ القديم باستخدام أحدث التقنيات وقد أُطلق على هذا المشروع اسم "أرض الحضارات في جبل القارة"، موفراً جميع الخدمات التي يحتاجها السائحون والزوار في جو من الفعاليات المتجددة

وقد وضع المشروع منذ بدايته أهدافاً محددة تلبي الاحتياجات الطبيعية والثقافية والسياحية للموقع، واستطاع أن يحقق هذه الأهداف من خلال حزمة من الأعمال والنشاطات والخدمات التي نفذها ضمن الموقع وتشمل أهداف المشروع كل من تطوير الجبل ليكون وجهة سياحية ثقافية تاريخية ذات معايير عالمية تعزز العلم والمعرفة والانتماء الوطني؛ وحماية كهوف الجبل من مياه الامطار التي كانت تهدد بنيانه؛ ودمج الطبيعة الخلابة لجبل القارة مع الإرث الحضاري للمنطقة؛ والتأكد من عدم وجود أي تشوه بصري في جميع مراحل المشروع؛ وحماية تآكل طبقات ارض الجبل

كما تشمل الأهداف الأخرى للمشروع الاستغلال الاقتصادي الأمثل للمناطق الطبيعية واستعادة التوازن البيئي فيها، ودراسة تأثير المباني والتكنولوجيا على البيئة وفقاً للتشريعات العالمية قبل البدء بالبناء، وتبني الموهوبين وذوي الحرف والفنون من اهل المنطقة لإبراز مواهبهم؛ وأخيراً خلق مشروع تتكامل فيه المرافق والخدمات السياحية لتصبح نواة حقيقية للمنظومة السياحية بالإحساء