البكاء على اللبن المسكوب غير مجد. جلد الذات على ضياع أكثر من شهر في حضرموت دون تشكيل درع واق من "كورونا" لن يعيد عجلة التاريخ إلى الوراء، الحرب الوبائية أو الهجوم البيولوجي على اليمن ككل بدأت من دون أن نسمع حتى صفارات إنذار. تسلل العدو بيننا خلسة... قادته الرياح أو الفوضى الخلاقة إلى شواطئ الشحر. هبط في الميناء تحت جنح الظلام. اختار ضحيته بعناية فائقة، نشب أظافره في جسدها تغلغل في كل كيانه، ودمر خلاياه ثم أسقطه بالأعياء والتعب، واقتاد خطواته إلى المستشفى ومن أروقتها أعلن للعالم اليوم فقط دخول اليمن رسميا نادي الوباء.
علمتنا تجارب التاريخ أننا عندما نقرر خوض معركة مع خصم مرئي أن نعترف أولاً بنقاط قوته ونقارنها بنقاط ضعفنا، أن نقرأ ما بين سطور انتصاراته وهزائمنا، نحاول قدر المستطاع أن لا نجعل ظهرنا أمامه مكشوف ولا صدورنا في مواجهته عارية، ونحشد كل طاقاتنا، ثم نخوض النزال بشرف. لكن معركتنا مع "كورونا" مختلفة كلياً، جيناته خفيه، ضرباته مجهولة،  هجماته نسفت مقدرات دول كبرى وعرت هشاشة أنظمتها، وتفسخ مجتمعاتها.
يخال الي أن الوباء يتفنن في حربه ضدنا، ضد البشرية جمعاء. يخطط أولا لإطباق الحصار على المدن، يعزلها ويستفرد بها كالفريسة واحدة تلو الأخرى، يقذف تحصيناتها بكرات اللهب الملوثة، يكثف من ضغطه على النظام الصحي حتى يتهاوى. يشغل الناس في أنفسهم... يقتلهم بالخوف... يغتالهم بالشك، ويفقدهم رشدهم قبل أن يحبس أنفاسهم، ويضيق صدورهم بالضغط على الرئتين.
اذا كان للمدن قلاع تتحصن بداخلها، أسوار عالية تحتمي بها، فأن صف آخر من جنود "كورونا" يتكفل بمهام زعزعة جدرانها من الداخل، يتربص بأعدائه، ويصيبهم بالعدوى، الصراع الذي تخوضه جحافله مع الدول ككيانات كبرى، ينتقل إلى داخل جسد الإنسان، هنا يكون الاختبار للمناعة، لقوة التحمل، للصمود على البقاء أو الاستسلام للموت والفناء، صراع غير متكافئ بين مهاجم شرس وإنسان من دون سلاح.
درس "كورونا" الأول أن مصيرنا كبشر واحد. فالديناصورات حين انقرضت قبل ملايين السنين، لم يبق منها صنف واحد على قيد الحياة، خلل نظام في الكون وبراكين تفجرت في الأرض محتها من على البسيطة.
الدرس الثالث: أن نرص صفوفنا خلف خطنا الدفاعي الأول، العلماء ومن خلفهم الأطباء والممرضيين، الجيش الأبيض، أن نستمع لنصائحهم، أن نتقيد بإرشاداتهم، أن نمتثل لتعليماتهم، أن نكون كالجنود في ساحة المعركة نخضع لأمرتهم مباشرة، نبجلهم كقادة، ونحترمهم كمناضلين وأبطال بقاؤنا على قيد الحياة يعتمد على الله أولاً وعلى تضحياتهم ثانياً.
الدرس الثاني لـ"كورونا" أن التباعد الاجتماعي في حدود معينة واجب، الحذر شرط لتجنب الإصابة بالفيروس لكن دون أن نغلق الأبواب كلية على أنفسنا، فأن نتحاشى الآخر ليس معناه أبدا أن نتركه بلا سند، كمن نلقي به إلى التهلكه، أن نؤمن بأن ما يصيبنا قضاء وقدر، والمريض عندما يلفه من حوله يتجاسر على الألم، يتحلى بالصمود ويتكئ على الصبر للانتصار في المعركة، لكنه حين يرى أنهم استغنوا عنه، هربوا منه، فأنه سيرفض الاستمرار في العيش مع من تخلوا عنه ودفعوه للموت دفعاً بلا رحمة أو شفقة في أول اختبار وجودي لقيمنا نحن الحضارم كبشر.