سهولة التدوين في مواقع التواصل الاجتماعي، وبساطة إنشاء الحسابات علىمنصاته المتعددة، باسماء مستعارة أو وهمية صبت الزيت على نار الشائعاتالقديمة قدم البشرية جمعاء.

تجد الشائعات مسارب للانتشار في كل الأزمنة لكنها في الأزمات تكبر أثناءتناقلها  ككرة الثلج، وتسري كالنار في الهشيم، وعادة ما تصدر بطرق موظفةومدروسة، من قبل من صاغها لتحقيق أهداف مختلفة.

في الحروب توظف الإشاعات لخلخلة الجبهة الداخلية للعدو، ولإضعاف الروحالمعنوية للناس، لاقلاقهم بثنائية الخوف والذعر من خلال رسم دوائر حمراء علىحدث ما يتم إما تحريفه بطمس معظم حقائقه أو إغراقة بمعلومات كاذبة أوإشباعه بالمبالغات الخيالية.

نحن كثيراً ما نتداول لفظة الشائعة لكن معظمنا يجهل بأنها أنواع حسبتصنيفات علمية، فهناك الشائعة التعبيرية التي يؤلفها الأفراد عن أنفسهم،ويشبوعونها بأحلامهم، وينتشون بالراحة وهم يرددونها للهروب من واقعهمالمرير، وطمر إخفاقاتهم تحت أسوار تحميهم من خطر يتهددهم بين فنيةوأخرى.

الشائعة التفسيرية يجترحها الناس الذين تعرضوا لصدمة حدث مفاجئ،يجتهدون في محاولة تفسيره، وقد يربطونها بقصص خيالية من صنعهم أومستلمهة من التراث الشعبي.

الشائعة التبريرية هي موجهة في الغالب، بمعنى أنها شائعة مخططة فيأسلوب إذاعتها ومهندسة فنياً لتحوم حول قرار قد يكون حكومي أو رسمي،يحشد أنظار الجمهور نحو زاوية محددة تسيطر على الرأي العام وتدفعبغالبيته إلى الانسياق خلف مصدرها والاعتراف بحكمة مشرعه.

الإشاعات التدميرية، تهدف إلى تحطيم الصورة الذهنية لشخص حقيقي أومعنوي أو كيان مجتمعي أو حزب سياسي أو نظام حكم، من أجل مصلحةخصومهم ممن يحاولون مزاحمتهم على السلطة أو اقتلاعهم منها. 

الإشاعات العلاجية هي من أقصر الشائعات سرياناً، تركيبها يتم من خلالنشر مصفوفة اخبار وهمية، منسجمة مع رغبات الجمهور، تتماهى معتطلعاتهم، وهي مختصة بـ"علاج الإحباط واليأس"، الذي قد يعانونه فيالأزمات والحروب وما ينجم عنها من تأثيرات مباشرة على صحتهم الجسديةوالنفسية. 

ازدهار سوق الشائعات في الحروب ينسحب أيضاً على الكوارث الطبيعية بمافيها الأوبئة والأمراض، وفي العالم الذي يضج اليوم بزلزال فيروس "كورونا" يبدو انقسام الكرة الأرضية على أكثر من معسكر وهشاشة معظم الدول داخلياًوانشغالها بأزمات سياسية واقتصادية مسرحاً لسيولة في الشائعات وتناسلها.

كم من شائعة راجت مع انتشار الوباء، عالمياً ومحلياً؟ الكثير للأسف ومعظمهامهجن بأنواع الشائعات. فالشائعة التعبيرية لعدم أو لتأخر تفشي الوباء فيمناطق عزاها أفراد إلى المناعة التي يتمتعون بها، الحصانة الدينية التي تلفهم. والشائعة التفسيرية وجدت بيئتها في الأجواء الحارة والرطبة غير الملائمة لتمددالفيروس. 

الشائعة التبريرية تدفقت عادة من أطر رسمية وحواضن حكومية، بررت عدمالقدرة على مجاراة "نزق" الفيروس لأنه حطم تحصينات دفاعية لدول كبرى،ومجابهته تقتضي التفاف شعبي، انصياع جماهيري لسلطة الدولة وقرارتها،عدم مشاغلتها بالشائعات التي تصنفها بأن "تدميرية" تستمد قوتها بمدىملاءمتها للتركيبة النفسية للمتلقي، وهي لذلك تكون انتقائية، لأنها تؤثر بمجتمعبعينه كونها تتفق مع عواطفه ورموزه وثقافته واحتياجاته وصعوباته ومشكلاته.

لو أردنا تدوير العدسة على الشائعات التي انتشت في اليمن وحضرموت عموماًبعد الإعلان عن تسجيل أول إصابة بفيروس كورونا، سنجد أننا أمام فائض منالشائعات المكتوبة والمنطوقة وحتى المرئية.

بدأت الشائعة ترسم حول أسم الضحية، مهنته، كيف أصيب بالفيروس،تحملقت حول عدد الأشخاص الذين خالطوه بعد العدوى، اندفعت الشائعاتفي مجرى عبثي يقلق الناس ولا يهديهم، يرفع منسوب توترهم ولا يخفضه أوعلى الأقل يحفظ مستواه.

نجاح أولي للسلطة المحلية بحضرموت والكادر الطبي الذي فحص الحالة،تجلى من خلال الحفاظ على سرية الحالة المرضية، عدم الإفشاء باسمها،والتفرغ لاحقاً للإجراءات ما بعد الرصد، التوعوية التي سبقت فرض الحظر،لتمتين جبهة الأطباء الدرع الأول في التصدي للفيروس، وأخيرا افتتاح مركزالحميات والأوبئة ورعاية المريض بداخله.

في غمرة الانشغال في معركة "حجر" الفيروس، ظلت الشائعات تجد تربةخصبة للحصاد، نزعت أولاً باتجاه التشكيك في مصداقية الفحص، مقطعمرئي قديم من قناة محلية يزف بشرى خلو اليمن وحضرموت من الوباء تمتسويقه على أنه اني. تمت ملاحقة الإحصائيات الصادرة عن منظمة الصحةالعالمية، التهافت على معلومة أنه تم حذف أسم اليمن من لائحة الإصابات،انتقلنا من مرحلة التشكيك إلى التكذيب كلية.

سحب السماء الملبدة بغيوم الشائعات، أمطرت نكات هي الأخرى تعد بمثابةشائعة كاريكاتورية، تستمد زخمها من العناصر الأسطورية والتاريخية والعرقيةوالدينية والاجتماعية.

تتغلغل الشائعات بلبوس النكات في المجتمع بسلاسة، تنتقل بخفة، تلوكهاالألسن بمرح يجتاز الحواجز العقلانية والنفسية، وينسف العقبات التي قدتحول دون تعميمها وتضيف قوة للشائعة حتى يطول أمدها وتترسخ فيالأذهان وتسمح بذلك بإعادة توظيفها في أكثر من حدث طارئ وإسقاطها علىمستجد ظرفي في أكثر من بلد.

لم تجد السلطة المحلية في حضرموت من خيار لكبح الشائعات سوى إنشاءغرفة لرصدها وتشكيل فريق قانوني وحقوقي لتفسير عواقب جرائم النشر، بعدأن نصب من أطلقوا الشائعات سيرك لاستهدافها ووجهت سهامها إلى شخصالمحافظ فرج سالمين البحسني.

أول المحاذير التي لم تراعيها السلطة هي أنها قد تحرض مفتعلي الشائعاتعلى تغيير استراتيجيتهم، الخطة (ب) البديلة في قاموس مدمني الشائعات أوالجيش الإلكتروني المنظم لإطلاقها هي الاسماء المستعارة، الحسابات الوهمية،الصفحات الزائفة، التي كانت أولى إصدارتها شائعة تعميم من المحافظ بإلغاءالحظر كلياً وعودة الحياة إلى طبيعتها وافتتاح المدارس والمساجد فيحضرموت. 

من خلال تتبع التطور التاريخي للشائعات تبدو قوتها في أنها تكمن أقدموسائل الإعلام على الإطلاق. في كتاب "الشائعات.. الوسيلة الإعلامية الأقدمفي العالم"، يرى المؤلف جان نويل كابفيري، بأنه على الرغم من تكاثر الوسائلالإعلامية، لا تزال العامة تستقي الكثير من معلوماتها من المحادثات الشفويةوفي عصر سادته الكتابة شكلت مواقع التواصل الاجتماعي نقاط حية لخلقالشائعات وإرسالها وتعميمها. ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تتملكالناس الرغبة في ترداد الشائعة على مسامع الآخرين؟ أو تدويرها بكبسات زرمعدودة لتلف الكرة الأرضة وتسبح في الفضاء.

 

إن جهل البعض أو خدمتهم لأجندة مشبوهة يقف خلفها جيش إلكتروني خفييعد أولى خطوات نقل الشائعة التي تجد منافذ لتمريرها عندما يتقاعسالإعلاميين والمثقفين، وغيرهم من قادة الرأي من المسؤولين لدحضها، لنسفهابنقل الحقائق لا تغييبها أو إتباع سياسة "التقطير" في نشرها.

فمن المسلمات أن الشائعات لا يمكن لها أن تظهر وتتعاظم وتصمد إلا في غيابالحقائق. إذ قال أحد خبراء الإعلام: "تنتشر الشائعة عند توفر شرطينأساسيين، وهما الأهمية والغموض".

إذا "الحبل السري" لنجاح أي شائعة، كامن في أهميتها والغموض الذييكتنفها.

لقد حددت دراسة «علم نفس الشائعة» أثناء الحرب العالمية الثانية، التي نشرهاعالما النفس، ألبورت وبرستمان في 1945، أهمية الشائعة والشائعة المضادة،في التأثير على معنويات الناس وأفكارهم واتجاهاتهم ومشاعرهم وسلوكهم.

وجد العلماء أن الشائعات تنتشر أكثر في وقت الأزمات، تشبعها الظروفالضاغطة أو المثيرة للقلق بظروف ديموميتها، تسرح بمختلف أنواعها أثناء وقوعالحوادث والحروب والمصائب، ولاحظا أيضاً أنها تلقى اذانا صاغية وأفهامتلتقطها أكثر حين يكون هناك تعتيم إعلامي أو غموض ما. 

عرض العلماء في الكتاب معادلة على غرار علم الرياضيات، مفادها أن انتشارالشائعة يساوي أهمية الموضوع المتصل بها، مضروبا في مدى الغموض حوله.

عندما ندقق في رموز المعادلة، سندرك أن تنامي الشائعات في اليمنوحضرموت خاصة بعد دخولها موسوعة الدول التي انتقلت إليها عدوى الفيروسالتاجي، تؤججها عدة عناصر متداخلة تتشابك فيها مدخلات الأهميةوالغموض، وهذه العناصر هي:

1- وجود أطراف سياسية داخل البلاد وخارجها تحاول إثارة المزيد من القلاقلوالأزمات في اليمن نكاية في "التحالف" وبعضها على ما يبدو ضمن نسيجالشرعية يرفع شعارات ويخطط ضدها.

2- استهداف رموز في الحكومة الشرعية لشخص المحافظ البحسني فيمخطط يرمي إلى إقالته وإحداث هزة عنيفة في الجبهة الداخلية بالمحافظة.

3 - محاولة إفشال قرار المحافظ البحسني بمنع بيع القات في المحافظة بتكثيفالهجوم على شخصه لإجباره على التراجع عن القرار.

4- غياب أو ضعف التنسيق ما بين الحكومة الشرعية والسلطة المحلية فيحضرموت ساهم في التخبط بإصدار التصريحات ونفيها تباعاً كما جرى معتصريح وزير الصحة الذي تم نشره في منصة وعي ثم حذفه سريعاً.

5- تنامي الشائعات حول الوباء في العالم ودول الجوار نقل حمى رواجها إلىداخل المجتمعات المحلية في اليمن.

6 - إدامة الغموض في تتبع تطورات الحالة المرضية والأشخاص الذين اختطلوابها وعدم وجود أجوبة مقنعة لأسئلة بسيطة يتم تدوالها جعل بنية الشائعاتتخرج عن نطاق السيطرة.

أخيراً، لا نعتقد بأن وجود غرفة لرصد الشائعات والتلويح بعقاب صانعيها كفيلبوضع حد لتناميها، فالترهيب ومحاولات تكميم الأفواه سيخلق فوضى فيمجتمع يفترض أن يتماسك في مواجهة اسوأ الاحتمالات ولا ينشغل في تفسيرمن يحق محاسبته على نشر معلومة أو تزييفها، إلا إذا كانت السلطة تدركبأنها قوية بما يكفي لتطبيق القانون على الكل ومحاربة الفساد الذي تتعددصوره ومظاهره قبل أزمة "كورونا" وأثنائها وما بعدها.