منذ العام 2011م واليمن يخوض صراعاً مفتوحاً بين الأطراف السياسية، تطور الصراع إلى انقلاب جر اليمن لحرب تسببت في شروخات عميقة في مختلف الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومنذ سبتمبر 2014م لم يعد هنالك فرصة ليتحدث العقلاء، لم تجد كل الهُدّن خلال الحرب مجالاً لتعيش، فلقد قتلتها طلقات الخروقات على كل الجبهات، لقد جاء الوقت الملائم لتحاول القوى الوطنية في اليمن لتخترق صوت الرصاص العالي وتتحدث وتفرض ما يجب أن يكون طريقاً نحو سلام واستقرار مستدام.

شكلت مخرجات الحوار الوطني إطار نحو إيجاد الحلول لمشاكل اليمن المستعصية، غير أن هذه المخرجات اصطدمت بوقائع التاريخ السياسي في اليمن، فمثلاً وضعت مخرجات الحوار الوطني عشرين نقطة لمعالجة القضية الجنوبية، وفشلت في نقل هذه النقاط من الورق إلى الواقع، والسبب أن ميراث مظالم نشأت منذ اندلاع حرب صيف 1994م أفقدت الشارع الجنوبي الثقة في مؤسسات الدولة، وكذلك حدث ويحدث مع كل مخرجات الحوار الوطني التي لن تستطيع أن تتحول من النطاق النظري إلى الواقع ما لم يشعر اليمنيون أن لديهم مؤسسات وطنية قوية.

يُفرط اليمنيون في توزيعهم للوعود، فهذه عادة من عادات السياسيين الذي أنجبتهم ثورة سبتمبر 1962م، يجد السياسيون في الوعود فرصة للقفز عن تحقيق معالجات موضوعية لقضايا مختلفة تحولت مع مرور السنوات إلى جبال ثقيلة يصعب حملها، وبدلاً من مواجهة الاستحقاقات يُفضل السياسيون في اليمن الالتفاف على تلك الاستحقاقات، تدرك القوى السياسية أنها متورطة في جزء واحد هو السبب الحقيقي في تفاقم المشكلات وهو الفساد.

الفساد السياسي توغل في كل أجزاء اليمن وتفشى بدرجة أنه تحول إلى كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، الأحزاب السياسية ترتكز علاقتها بالمواطن من خلال منظومة الفساد، فمثلاً يقدم الرئيس السابق علي عبدالله صالح حزب المؤتمر الشعبي العام على أنه يمثل الليبرالية في الحياة السياسية اليمنية بينما هو حزب تتحصن بعضويته كل المتنفذين في السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى القضائية التي أخذت نصيبها من الفساد، في المقابل يقدم حزب الإصلاح أعضاءه على أنهم إسلاميون ينتمون لحركة الإخوان المسلمين عند الأتراك، ويظهرون أنفسهم أنهم بُراء من حركة الإخوان عند السعودية والإمارات، برغماتية حزب الإصلاح هي التي يمارسها الحوثيون كذلك.

الخلل يكمن في المنظومة السياسية التي تحتاج إلى الخروج من دائرة الصراعات المستدامة عبر تسليم اليمن لجيل التكنوقراط مع إعادة تشكيل الأحزاب السياسية التي تحولت إلى مُعطل للحياة السياسية كنتيجة طبيعية للتصادمات العنيفة المرتكزة على الأيدلوجية والعمق القبلي، وهنا مكمن من المكامن التي يجب أن تُستدرك بمسؤولية في قراءة ما أصاب اليمن شمالاً وجنوباً من صراع عنيف في 2011م مما أنتج عنه الحرب في 2014م.

ثلاث سنوات أعتقد فيها الإقليم والعالم أنه يُراقب أنجح عملية انتقال سياسي في الشرق الأوسط، المفاجأة أنه كان يراقب تمترس القوى السياسية اليمنية خلف ما تراه مُلائماً لها في مؤتمر الحوار الوطني الذي ما أن انتهى حتى خرج الحوثيون من صعدة ليجتاحوا المدن اليمنية ليضعوا الجميع أمام حقيقة جذور القبيلة والمذهب وإرث الصراعات القديمة.

بعد عامين من عاصفة الحزم مازلنا نبحث في كل اليمن عن تلك القوى الوطنية الخالية من شوائب الحزبية، مؤسف أن يتوارى التكنوقراط عن مشهد كان يجب أن تكون لهم مبادراتهم في ظل ضجيج الأصوات التي لا تريد سوى الحرب لتُقصي خصومها السياسيين، فلماذا غابت قوى العقل أو ما يمكن أن يكونوا بالكتلة الثالثة..