- في مدينتنا الحلوة ، المطلّة على البحر البرّاق الصافي، حيثُ الأحياء يجوبها الناس و يملأونها بحضورهم الفيزيائي و الروحي ، و حرارة أجسادهم الماشية و الجالسة و الواقفة ، و تلك الأنفاس المتنوعة تلـــبّد الوسط بسحابةٍ دافئة يتخلّلها موجات أصواتٍ متداخلة تهدمُ بعضها البعض ، و محلاتٌ على إمتدادٍ لا حصر له يشغلها أهل السعي و الطّلب ، و المقاهي الشعبية الصاخبة و الحارّة ملاذ للصحبة و الرفقة ، إلى الدردشة و المجاذبة ، و المجادلة و النقاش و سبر أغوار العالم أجمع . كانَ أبي يرتاد مقهايةََ محدّدة مع أصدقائه ، المتقاربين في السن . مخصّصين أيامَ الإثنين و الخميس لجمْعتهم ، إذ ذاك فإنني لم أهتم بهذه العادة لمّا كنت صغيرََا ، و ما أعتقدته كان ، و على نحوٍ تقليدي ، أنهم في خضم خروج عادي يستحثون منه الأنسة و الألفة و تغيير الجو ... و لكنني ، إذ بلغت الثانية عشرة ، أستشعرت أمرََا غريباً حيال أبي ، إذ ذاك بدأت أدرك شيئاً ينسب إلى والدي في تلكم اليومين ، فإنه إذا دخل غمار اليوم ، يؤمّن جهده و يقتصر في أحاديثه و يقلل من كلماته ، و قد خـيّل إلي بأنه يدّخر نفَسَهُ أيضََا . لكنّ الأمر لا يتوقف هنا ، إنما يتواصل مع عنايته الفريدة بتفاصيل اليوم ، و التوقيت الدقيق حتى مع ساعات عمله ، كان يستهل يوميه الرائعين منذ الليلة الفارطة ، ينامُ مبكرََا جدََا عند الثامنة ، و على عشاء خفيف للغاية ! ثمَّ يستيقظ على صوت آذان الفجر ، و يغتسل و يخرج للمسجد بخفّة و انسيابية ، و يعود بعد الشروق ، فقط في أيام الإثنين و الخميس .

عندما أقابله على مائدة الإفطار ؛ يتسمّر متبسّماََ لي ، ناظرََا بتمعّن و إسهاب في تقاسيم وجهي لدقائق عديدة . و حينما أسمع هدير زمّار السيارة ؛ يقوم و يسلم علينا و ينفتل نحو الباب . و ما كان يعود إلا على الثانية عشر تماماً دون ما تأخير أو تقديم ! إنه دقيق جداََ بشكل غريب ، و هكذا ، على مضض ، كان الغداء ... تتابعت تلك الأيام من إثنين و خميس ، منتصف و نهاية . و أنا في تعجّب من أمره ! في إحدى الخميسات و كان الفصل شتاءََ و الليل يسرعُ في ظهوره ، أقترح أبي أن أخرج برفقته هذاك اليوم ، كي أساعده على حمل الأغراض و الحاجيات في الشوارع و الأروقة ، كان يحب المشي و لا يريد أن يعيقه شيء خلاله ، راحة بال ، وافقت بلهفة و علت سيمائي الفرحة و التشوّق ، و كم ترقبت هذه الدعوة حينئذ فطنت لتلكم التدابير السحرية و غمرني الفضول عنها .

مما رأيته يومها و بتلك النظرة المرسومة في ذهني كان حاجةََ مدهشةََ غريبةََ ! كنّا قد أخذنا بالفعل حافلة عامّة تبث بنا لوسط المدينة و لمدة عشرين دقيقة ، إلى كل التوقفات و الإنتظارات على الخط الرئيسي ، و حينما خرجنا عبرنا الجسر ، و مكثنا قليلاً أمام مبنى البنك الدولي المجاور لساحة مقهى واسعة و عريضة تقابل البحر الهادئ ، ليصل إلينا صديق و يقلّنا بعربته إلى السوق الشعبي الطويل المكتظّ بالخلق و الأنوار و الروائح الشهيّة ، و نداءات الباعة على عتبات الرصيف في كلا الجانبين ، و بعد مئات الخطوات تمتثل أمامنا مقهايةٌ قديمة بأضواء شحيحة ، مقاعدها خشبية خشنة مرّت السنون عليها ، و محيطها كان ضيقاً من العرض تتخبّط جوانبك و أردافك في الطاولات بسببه ، و ممتدََا عمودياََ في زقاقٍ ما بين البنايات ، حينئذ أخذنا موضعاََ على طاولة مقابلة لمرتع المالك البلاطي الذي حيَّ والدي عندما لمحه على ابتسامة طيبة ، كان آذان العشاء يدوي في الأرجاء . أخذ وليّ أمري مكان يعتمر فيه ، و قابله الصديق و تلوى الخشب الهزيل محدثاََ صوتاََ يصفّر و يصرصر . طلبا كوبا شاي و بدأت الأحاديث تنشأ و الملامح تتوهّج و الثغور تتّسع ، و توافد البقيّة فرداً فرداً حتى إكتملت المجموعة في إطار زمني بسيط ، و تسارعت العبارات و زادت أقداح الشاي و أنا مبهور منهم ، و كنت قاعداََ إلى طرف المقعد المستطيلي و بجانبي والدي و صديق آخر .

بينما حوِّطت الطاولة الكبيرة بأربعة مقاعد عتيقة تفوح منها روائح النشارة السحيقة و جلس عليهم رجلين أو ثلاثة ؛ كان النقاش يتكاسر و يتموّج بأصواتٍ عدّة ، و لا ينحصر على فرد إلا لثوانٍ معدودة . و كذلك سرى تيار جُملْ منقطع النظير ، و أنا إلى ذلك الوضع قد زاملت الصمت و أثرت الإنصات و الحملقة . فجأة شعرت بدوار خفيف لسبب أنّ بؤبؤا عينيا كانا يتحولان سريعاً على وجوههم ليواكب إشتداد تركيز حواسي و عقلي ! ما أنقذني حقاََ كانَ نداء الإمام أحمد داعياََ الخلق لإقامة الصلاة ، فانصرفوا جميعهم في درب واحد الخطى إلى المسجد . حين عدنا كان صاحب الدلّة قد سكب كأس شاي لكل من أبي و صحبته مجهّزاََ بعناية على نفس الطاولة ، و في وسط كل تلك الجلبة أشحت نظري صوب أبي بإنتباه عالٍ ، لقد لاحظت أشياء فيه ، كان سعيدََا أشدّ ما سعادة ! و نشيطاََ مبتهجاََ ، رائعاً في انتقاء كلماته ! و كان سريع البديهة و يجابه أيّما موضوع بثقة و دقّة و روعة ، و يطرح وجهة نظر محترمة و لائقة .

من دون ما تفكير و خارجاََ عن إرادتي ؛ طرقت باطن يدي اليسرى على كتف والدي ثلاثة مرات، فنظر نحوي مصغياََ متأملاََ و قرأت في ملامحه آنذاك عبارة لطيفة تقول « أتريد شيء ». تلعثمت لساني فينةََ نتيجة لفعلتي الغير واعية نسبياً، ثمَّ تمتمت له بكلمات متقطعة مرتبكة : « آه ! .. حسناََ ... الأمر هوَ ، فقط كنت أفكر ... بكم أنت رائع يا أبي ، إنّ هذه الجلسة ... أحسست بأنها ، على نحو ما ... ساحرة جدََا ! و غريبة علي ، إنني منبهر مشدوه ، أكلتني البهتة و شعرت برغبة في استدراك نفسي ... هذا ما في الأمر ». إنما كانت كلماتي مليئة بالشك في لهجتها و نبرتها ، لا أدري أأصابني الخوف أم ماذا ؟! مع ذلك ، والدي ... نعم أظنّ أنه فهمني، و طمأنني بشيء من الدعابة أنّ هكذا أمور تحصل مع كثير ، و أنك يا إبني غير معتاد فقط ... و أستمروا في الكلام و تفريغ المخزّن في عقولهم ليجعلوا دائرة الحديث منيرةََ ، مع نقاشات عامرة باللهفة و الحماسة . أعتقد بشدّة أنهم يجمعون قصصهم و مواقفهم، و أخبار من هنا و هناك قبل أن يلتقوا في منتصف الأسبوع أو نهايته ! و بعد كرّات كثيرة من الخرجات مع أبي ؛ فطنت إلى أنّ مواضيع الإثنين تختلف جدََا عن هواجس و زغاريد الخميس ، و إنّ ما يكثر في الإثنين جديد الرياضة في العالم و المواقف في السكنات العامّة و ما حدث في ديار التعليم عندما كان يمرّ أحدهم في الممرات أو عند البوفــيّة ، و أمور العمل في المصانع و المؤسسات و ما يدخل و ما يخرج و دواليك ... أما ليلة الخميس فتكون منعشة أكثر و ضامّة للذكريات اللذيذة و مقاطع الأغاني الأثرية و البحرية ، و المزاح و يشتد الضحك و يعلو ، و بعضاََ من تبعات السياسة الداخلية في وقت ما ، و أمور عمومية علمية عالمية ، و كانت الأخيرة أجمل فقرة إن صح وصفها كذلك ، فتسمعهم يتكلمون عن الفضاء و إرسال المكوكات ، و كيف تعمل الجسيمات الذرية هناك و تكوّن أجساماََ و كتل غريبة ، و ما بداخل الأرض من مجهول ، و أسس الجذب ما بينها و بين النيازك الساقطة ، و لماماََ يخوضون في التاريخ و محافله ، و ما إن تتواجد عوالم موازية فعلاً في مكان ما ، و من هذا المنطلق تتوالى الضحكات و التخيّلات لشخوصهم في تلكم العوالم اللا معلومة ، فإذ بي أسمع أبي يقول حينئذ أنّ شخصه الموازي سيكون حكم كرة طائرة ، و لا أعرف لما عنى بالخصوص هاته الرياضة ...

أمست تلك اللقاءات رسمية الحضور، حازمة الترتيب من قِبل أبي ، لا تكلّف فيها ، إنما شوق و تحرّي . و قد وصل بي ذلك الحاضر ، على نحو غريب ، إلى إعتقادي بأنها تناظر حفلات الأعراس و المناسبات الوطنية الكبرى في أهميّتها ! و ممّا شعرت به أنّ الأرواح تتواصل فيما بينها ، و تكتنز بعواطف أخاذّة عطرة مع إحساس متبلور . و تنسجم و تتآلف صانعةََ مجالاََ روحيّا رهيبََا ، كذلك المجال القدسي في مراسم الجنازات و العزاء إلى أنّه خال من البؤس و الفقد ، كان زاهرََا بالطمأنينة ، ينضح بشاشة و أخوة .

عندما كان الإثنين ونيساََ و لطيفاً و أكثر هدوئاََ في الحركات و منعدم الصخب ، تأخذ نفسي الصغيرة تتجرأ و تتكلم أكثر ، و من الجرأة أن قاطعت حديث السادة الكرام و قلت سائلاََ عمَّ يعني الشاي لهم و ما شأنه و أهميته في هاته الجمعات، فأجاب أبي العزيز بتؤدة، محدّقاََ في ساكب الدلّة العجوز الأسمر : « هذا الشاي له حكايات كثيرة ، لي و لهم ، مما قاله جدّك لي ، هوَ وقود ... وقودٌ لكلماتنا و رؤوسنا و بدننا . و الأهم من هذا ، هوَ رابط إتصال ... وطيد متين لا ينقطع ، يدفأ أجوافنا و يلهب فرائصنا و يوقدها بصورةٍ خيالية ».


و كان دائماً ما يحدثني عن جدّي و مرافقته الدؤوبة له . و عشقوا الماء الرملي الساخن و عمّروا في الاستراحات و المقاهي . و ظلّ الحال كما كان و جرت السنون و كان أبي يقول : " عشرون سنة و نحن في عادة إخترناها بأنفسنا و طبائعنا ... "
و أطنبت التفكير في تلكم اليومين الأسطوريّين ، و أحببت لو سلكت ذاك النهج الوتيد ، فتخبطت بين جدران أصدقاء كثر و لم أجد خليل الشاي المرتجى ، و تراكمت الخيبات و تصاعدت الحواجز ، و زاد الإنزعاج . و أبي صار كبيرََا جدََا على الخروج و لزم الراحة قسرََا ، و تقاعد بعد أن أكمل دائرة المهام القانونية ، و لم أستطع أن أخرج معه مع شحّة خرجاته ، و لا مرافقته في فحصه الطبي الشهري عند التاسعة صباحاً لإنشغالي بالدراسة و العمل و الكمد ... و مع تدرّج الزمن بدا أنّ رفقاء الطاولة الخشبية المربّعة المهترئة قد غادروا و رحلوا بعيدََا عالياََ . فأصابني الأرق و ابتلت أيامي بالذكرى ، و تودّدت للأطلال ،
و داخلتني رغباتي في صنع أيامٍ مثلها ، تخصّني، و لكن دون ما جدوى ، كانت الأماكن ناقصة و موحشة ، فأخذت من العزلة أكثر و بدأت أحزن و اتأسّف كثيرََا على حال والدي و قد جرّ إلى أرذل العمر ! و كنت ونيسه و جليسه في تلكم اليومين في البيت ... و صنعت له ، لكي لا يضجر ، طاولة من خشب ، باهتة من قِدمها ، على شاكلة حبيبته تلك ، في العلّيّة. و كنّا نعتمر على كراسيّها متقابلين ، و كان سعاله أزيد من حروفه ، و الرتابة في بدء الحديث توسّطت أرجاء الغرفة و قيّدت الأنفاس و أخمدت الشعلة . أشتدَّ حزني و أنا أحدّق فيه و أتذكر ذلك الرجل المسرور بجانبي في تلك الليالي ...
و أنتبهت لموقعي ، و تركت الشرود ، تاركاً ساعديَّ يتكئان على طاولة نحيلة معدنية زرقاء ، و أرسل نظري بتأمل في الشارع الواسع الغاصّ بالناس جيئةََ و ذهاباََ ، و الأشجار و مصنع المثلجات ، مع كأسٍ زجاجي صغير بلا أذن ، مملوءٌ بالشاي الحليبي الرملي ... و صليل الحديد يتردّد في الجو .


- تمّت -